تحليل للمواقف الإقليمية الأخيرة ودور تركيا بالسودان وليبيا.. مصر و"أهل الشر"

خلال الأسابيع الأخيرة، إحتدم الصراع القائم في مصر بين القوات العسكرية والأمنية التي حققت نتائج ملحوظة في الوضع الميداني بسيناء خلال الشهرين الماضيين، وبين مجموعات إرهابية باتت خطوات مصر الخارجية هي الدافع الأساسي لها ولمن خلفها من قوى وكيانات إقليمية لمحاولة البحث عن أي فرصة لضرب الاستقرار الداخلي.

السمة الكبرى للمشهد الميداني المصري هي ارتباط التصعيد فيه بأي مواقف مصرية لافتة سواء على المستويين الإقليمي والدولي، فمصر التي طرحت مشروع القرار الرافض لإجراءات الإدارة الأميركية الأخيرة بشأن القدس في مجلس الأمن، والتي وثقت علاقاتها السياسية والعسكرية بدولتي اليونان وقبرص، اللتين تقعان في المجال الحيوي التركي، تلقت ضربات تصعيدية في العريش وحلوان، كردود فعل على هذه المواقف، وعلى دورها الإقليمي المتصاعد في ليبيا وفلسطين وسوريا.
الصبغة الإقليمية للصراع حول مصر لم تقتصر على التطورات الميدانية على أرضها، بل تعدتها لتصبح دول أخرى مسرحاً لهذه المبارزة التي تؤدي فيها تركيا دور البطولة، وتريد فيها حصار دور مصر الإقليمي. ولعل آخر إرهاصات هذه المبارزة، زيارة الرئيس التركي إلى السودان، وتوقيعه عشرات الاتفاقات مع حكومتها وعلى رأسها اتفاقية استراتيجية تسمح لدولته بالتمركز في جزيرة "سواكن" السودانية، التي تقع على بعد نحو 350 كم من الحدود بين السودان ومصر، لتأهيلها خلال مدة زمنية غير محددة، وهو ما يسمح للأسطول التركي بالتحرك في هذه المنطقة بشكل شبه دائم، ومن ثم من الممكن اعتبار هذه الجزيرة قاعدة جديدة للجيش التركي تضاف إلى قاعدته الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو وقواته التي تم تعزيزها خلال الأيام الماضية في قطر.

وترافقت زيارة الرئيس التركي مع اجتماعات جرت بين رؤساء أركان جيوش تركيا وقطر والسودان، وتصريحات سودانية تؤكد تبعية مثلث "حلايب وشلاتين" إليها، وهو المضمون نفسه الذي احتوته شكوى الحكومة السودانية الى الأمم المتحدة.
هذا الوضع جنوبي مصر، أكد صوابية عدة إجراءات مصرية تم اتخاذها خلال الفترة الماضية، مثل تدشين الأسطول البحري الجنوبي، والشروع في إنشاء ميناء حربي في منطقة رأس بناس، ومطار وقاعدة جوية في منطقة برنيس، وهما منطقتان تبعدان عن خط الحدود مع السودان نحو 300كم، وهذه الإجراءات اذا ما اضفنا اليها الشراكة المصرية الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، وتعزيز مصر لعلاقاتها العسكرية مع روسيا، ستمثل جميعها حائط صد مصري أمام التوسع التركي - القطري في أفريقيا، وستكون ليبيا في هذه المعادلة ميداناً مهماً تعول مصر كثيراً عليه لإنهاء أي نفوذ تركي او قطري في المنطقة الغربية لليبيا، ومن ثم تأمين الحدود المصرية في هذا الاتجاه.

عمليات تنظيم داعش في سيناء
كان لهذا الواقع الإقليمي تأثير واضح في المجريات الميدانية في سيناء وفي الداخل المصري، بشكل عام كان الوضع في سيناء مماثلاً لما كان الحال عليه منذ اوائل الشهر الحالي، تقلص كبير وملحوظ كمّاً ونوعاً في العمليات التي يشنها عناصر تنظيم داعش، واقتصرت خلال الفترة من الثامن عشر من الشهر الحالي وحتى اليوم على محاولات لمنع سلاح المهندسين المصري من العمل في المرحلة الرابعة من المنطقة العازلة بين مصر وفلسطين المحتلة، والتي تشمل عدة مناطق شرقي مدينة رفح، بالإضافة إلى استمرار التنظيم في عمليات خطف المواطنين ومنها اختطاف مواطن في منطقة الكراشين شمالي مدينة الشيخ زويد.

كما استمرت محاولاته لتعطيل العمل بمصنع إسمنت العريش وسط سيناء، وهاجم عناصره في هذه المرة أبراج الضغط العالي التي تزود المصنع بالتيار الكهربي.

وفي السياق نفسه، تم إفشال معظم محاولات الهجوم على التمركزات العسكرية أو الأرتال العسكرية المتحركة، ولم يتمكن التنظيم سوى من تنفيذ عمليتي تفجير، الأولى استهدفت ناقلة جند مدرعة في شارع 23 يوليو وسط مدينة العريش ما أسفر عن استشهاد مدني ومجند، وعقب ذلك تمكنت قوات الأمن من قتل ثلاثة من عناصر التنظيم كانوا قد نفذوا هذه العملية.

هذا المصير كان هو المصير نفسه لثلاثة آخرين انفجرت بهم عبوة ناسفة أثناء محاولتهم زرعها غربي منطقة البرث الواقعة جنوبي مدينة رفح. العملية الثانية استهدفت رتلا متحركاً لقوات الجيش في منطقة الحصين على طريق بئر العبد – العريش، ما أسفر عن استشهاد ستة أفراد من ضمنهم الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد.

عمليات الجيشين الثاني والثالث
على الجانب الآخر، استمرت وحدات الجيشين الثاني والثالث في عملياتها شمال ووسط سيناء، وقد تمكنت وحدات الجيش الثاني خلال هذه الفترة بالتعاون مع القوات الجوية من إفشال هجومين لتنظيم داعش، الأول حاول استهداف تمركز عسكري جنوبي الشيخ زويد، والثاني استهدف كمينا ً أمنياً قرب قسم شرطة ثالث في العريش.

كذلك تمكن الجيش الثاني من قتل تسعة عناصر إرهابية، منهم سبعة خلال المداهمات جنوبي العريش، وواحد خلال مداهمة في منطقة الساحة الشعبية في مدينة العريش، وآخر غربي الشيخ زويد. بجانب مصادرة أربع عربات دفع رباعي، وتدمير مخزن للمواد المستخدمة في صنع المواد المتفجرة، وأربعة أنفاق حدودية. في ما يتعلق بعمليات الجيش الثالث، تمكن من تصفية ثمانية عناصر إرهابية والقبض على واحد، وتدمير نحو عشرة مخابئ في مناطق وسط سيناء.

عمليات وزارة الداخلية
شهدت هذه الفترة نشاطاً كبيراً لوزارة الداخلية داخل سيناء وخارجها، في سيناء استمرت المداهمات الموسعة التي تنفذها وحدات الوزارة في مدينتي العريش وبئر العبد، وأسفرت خلال هذه الفترة عن القبض على عشرات المشتبه بهم.

خارج سيناء كان المشهد أكثر نشاطًاً، فخلال هذه الفترة تمكنت وزارة الداخلية من تصفية 14 عنصراً إرهابياً والقبض على عشرة آخرين في مداهمات بالقليوبية والإسكندرية والوادي الجديد ومنطقة الصالحية بمحافظة الشرقية.
تعرضت الوزارة لعمليتين إرهابيتين خلال هذه الفترة، الأولى هاجمت فيه عناصر مسلحة بوابة تحصيل رسوم المرور قرب واحدة ميدوم في مركز الواسطة بمحافظة بني سويف، أسفر عن استشهاد ضابط متقاعد ومواطن مدني.

الهجوم الثاني حدث أمس، وتبناه تنظيم داعش، وفيه استهدف عنصر إرهابي مبنى كنيسة مارمينا بمنطقة حلوان بمحافظة القاهرة، كان لهذا الهجوم دلائل ونتائج هامة، فالإرهابي حاول الدخول الى داخل الكنيسة لتفجير نفسه والعبوات الناسفة التي معه وإلحاق أكبر ضرر بشري ممكن، لكن خطة التأمين التي أطلقتها وزارة الداخلية لحماية دور العبادة المسيحية، مكنت قوة تأمين الكنيسة من التصدي للمهاجم وقتله، بمعاونة لافتة من أهالي المنطقة الذين تداعوا لنجدة المصابين ولحماية مبنى الكنيسة، في مشهد نسف تماماً الهدف الأساسي من مثل هذه العمليات، وهو ضرب الجبهة الداخلية المصرية، والعزف على الوتر الطائفي.

سواكن وبرنيس.. وما بينهما
لا يمكن الفصل ما بين المناقشات الجارية حالياً في الكونجرس الأميركي، حول أوضاع الأقباط في مصر، وبين هجوم أمس على كنيسة حلوان.

كما لا يمكن الفصل أيضاً بين التصعيد الأميركي ضد الدول التي صوتت في مجلس الأمن والأمم المتحدة لصالح القرار الذي يدين إجراءات الإدارة الأميركية بشأن القدس، ومن بعده الحملة الصحفية الأميركية على مصر، ومنها مقالة النيويورك تايمز حول مصر "الحليف المزعج"، وما بين محاولات إعادة عقارب الساعة للوراء ميدانياً في مصر.

المؤكد أن الصراع ما بين مصر من جهة، والأطراف المعادية لمصر على اختلاف توجهاتها ودرجة معاداتها للقاهرة، لن يكون مسرحه الأساسي هو سيناء، بل سيكون مسرحاً خارجياً كما جرت العادة في سنوات ما بعد احتلال العراق.

ما بين جزيرة سواكن السودانية، وقاعدتي مصر البحرية والجوية في برنيس، وصولاً الى التخوم التركية في اليونان وقبرص، يمر خط مواجهة إقليمية كبيرة بين القاهرة وإسطنبول، لكنها مواجهة ردع وتهديد لا تتطلب مواجهة مباشرة بالنيران الحية، المواجهة الحقيقية والحاسمة ستكون غالباً على أرض ليبيا، التي تقترب الأوضاع الميدانية فيها من نقطة حرجة ربما لا تكون هناك عودة فيها عن الحسم، طالما ظلت مصر على مواقفها إقليميا ودولياً، وظل الرئيس التركي رافعاً أصابعه الأربع في كل لقاء ومؤتمر.

التعليقات