منسيات المونديال.. قصة 90 دقيقة أشعلت حربًا راح ضحيتها 4 آلاف شخص

ذكريات وأحلام وأفراح وأحزان.. هي مجرد مشاهد  تجسد قصصًا خُلدت في تاريخ كأس العالم، البطولة الأشهر،  فهي ليست مجرد  لعبة وبطولة فقط، بل إنها تاريخ طويل شهد العديد من الكوابيس والعنف، فكم من شعب قضى ليلته في الشوارع الشوارع فرحا بسبب مباراة فاز فيها منتخب بلاده، فيما تسببت مباراة فى حزن ملايين آخرين.
ومنذ أن انطلقت منافسات المونديال فى سنة 1930، كانت كل «90 دقيقة» داخل المستطيل الأخضر تخفى وراءها قصصًا وحكايات تستحق أن تروى.
هنا سنروى «الأشياء الأخرى» المنسية فى تاريخ البطولة التى تقام كل أربع سنوات أو تاريخ تصفياتها. حواديت ومواقف بدأت من الكرة وسحرها فى الملاعب الخضراء وتفرعت إلى المدرجات والشوارع حتى وصلت إلى مجالس السياسية وقصور الحكم.. بل ميادين الحرب أيضا.
مواجهة السلفادور والهندراس فى تصفيات بطولة «1970» خلفت 4 آلاف قتيل و120 ألف مشرد

لم يكن يخطر ببال أحد من مشجعى الهندوراس أو السلفادور فى العام 1969، أن مواجهة منتخبى البلدين فى تصفيات أمريكا اللاتينية لكأس العالم، ستؤدى إلى مقتل 4000 شخص، وتشريد 120 ألف آخرين، وتدمير مئات المنشآت والبيوت بما قُدر بـ8 مليارات دولار وقتها؛ كنتائج لـ«90 دقيقة» من المفترض أنها فى الأساس للمتعة وللإثارة والروح الرياضية.

القصة بدأت فى 8 يونيو؛ كانت المباراة الأولى فى العاصمة الهندورية، تيجوسيكالبا، وفيها فازت هندوراس على السلفادور «1- صفر» فى الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع. هدف أثار هيستيريا الجماهير الهندورية، والإحباط عند جماهير السلفادور وصل إلى انتحار إحدى المشجعات داخل أرض الملعب.

الإعلام الرياضى فى السلفادور بدوره نفخ فى النار وحوّل المشجعة المنتحرة إلى «شهيدة فى حب الوطن»، رافعين شعارات «استعدوا لرد الدين»، معتبرين أنه على السلفادور أن «تدافع عن شرفها» فى مباراة العودة. وتم بث جنازة الفتاة على الهواء مباشرة لتكتسب تعاطف الشارع من المشجعين وغيرهم.

بدوره، فإن إعلام الهندوراس لم يقل خيرًا ولم يصمت، ورفع شعار «قادمون لتحطيمكم»، كما نشر تلفيقات لمواطنة السلفادور المنتحرة بالجنون، ودعا لحرق ممتلكات مواطنى الفريق المنافس وتهجيرهم خارج البلاد، ما دفع العصابات المحلية لسرقة المهاجرين والاعتداء عليهم حتى هاجر عدد كبير منهم بالفعل.

بعد أيام كانت الأعصاب متوترة عندما حان موعد مباراة العودة فى 15 يونيو، وبمجرد وصول فريق الهندوراس قبل الموعد بيوم لأرض السلفادور، فوجئوا بالمئات المحتشدة تطلق صوبهم الحجارة والبيض الفاسد، مع لافتات بالتهديد، وصُنف ذلك بـ«أسوأ استقبال فى التاريخ».

أقام الفريق الهندوراسى بفندق محاط بقوات من الجيش لتأمين «الضيف الغالى»، وبعد منتصف الليل قيل إن التأمين غادر الفندق، فاحتشدت الجماهير السيلفادورية الغاضبة حوله، ليتم تهريب اللاعبين من السلم الخلفى وقضوا ليلتهم فى ذعر بمقر سفارة بلادهم.

فى اليوم التالى توجه الفريق لأرض الملعب، وكان من المتوقع أن تستقبلته جماهير صاحب الأرض بأناشيد عدائية شوشت على النشيد الوطنى للضيف.

بدأت المباراة إذن، واستحوذ منتخب السلفادور على مجريات اللعب بالكامل لينتهى اللقاء بفوزه «3- صفر»، ولم يكن مفاجئًا أن يخرج كلا الفريقين سعيدا بتلك النتيجة، فالهزيمة ضمنت سلامة منتخب الهندوراس كما صرح «كاردونا» لاعب الهندوراس وقتها: «لقد كنا محظوظين، لولا الخسارة لما بقينا أحياء».

لم تكن قاعدة «الهدف خارج الأرض» قد أقرت بعد، لذلك احتكم الفريقان لمباراة فاصلة لتحديد المتأهل من المنتخبين لكأس العالم، فى ملعب «أزتيكا» بالمكسيك كأرض محايدة.

قبل المباراة الحاسمة، قررت الهندوراس حظر امتلاك الأراضى على مواطنى السلفادور وتأميم ممتلكاتهم وطردهم من البلاد، وسريعًا تقدمت السلفادور بشكوى لدى الأمم المتحدة وهيئة حقوق الإنسان ومنظمة الدول الأمريكية.

كرويًا، انتهت المباراة المثيرة جماهيريًا لا رياضيا بفوز السلفادور «3- 2» على الهندوراس، لتنفجر الجماهير الهندورية فى الشوارع غاضبة.

الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل ظهرت مطالبات غريبة فى الإعلام الهندورى بغزو السلفادور لضم المنتخبين والمشاركة فى كأس العالم بمنتخب واحد.

وبمجرد انطلاق صافرة الحكم، قطعت السلفادور علاقتها الدبلوماسية مع الهندوراس، وانتشر جيشا البلدين على الحدود وجهًا لوجه، لتبدأ الحرب!

بدأ القصف المدفعى عشوائيًا من الطرفين على القرى الحدودية، وانتهكت طائرات هندوراس أجواء السلفادور وقصفت معامل لتكرير البترول، فردت السلفادور بهجوم برى واسع النطاق حمل قواتها لأن تتوغل مسافة زادت على 60 كيلومترًا داخل الأراضى الهندورية، والاستيلاء على مدينة «نويفا أوكوتبيك». كان رد الهندوراس أبشع؛ إذ راحت تقصف مدينتى سان سلفادور وأكابوتل بالقنابل، فقتلت مئات المدنيين.

استمرت الحرب لأربعة أيام متتالية، حتى تدخلت منظمة «الدول الأمريكية» لوقف إطلاق النار، وبعد مرور 11 عامًا كاملة على هذا التاريخ وُقعت اتفاقية سلام بين البلدين عام 1980. وبعد سنتين تأهل منتخبا الهندوراس والسلفادور سويًا لمونديال 1982.

 

التعليقات