فيلم تونسي اسمه ( فتوى) يثير ضجة في القاهرة " البطل اتقتل "!

الفيلم يعالج موضوعا من أخطر وأخصب ما يمكن أن تعالجه السينما، ويخاطب الناس فى عيونهم، ولا يخدعهم ولا يساومهم ولا يضحك عليهم بأغنية أو رقصة أو جسد امرأة، على العكس يخاطبهم بقسوة لفتح عيونهم على واقعهم، ويحدثهم عن الشر الذى يأكل حياتهم وحريتهم. والشر فى « فتوى» ليس مجرما ولا عصابة مخدرات قابعة فى ناد ليلى، إنما هو شىء أكبر وأخطر من هذا بكثير.

إنه عصابات دولية من تجار الدين الذين يستقطبون الشباب لتفريغ عقولهم وملئها بأفكارهم السامة التى تجعلهم بعد فترة يقتلون أقرب الناس إليهم بحجة دفاعهم عن دينهم ومعتقداتهم، الفيلم يفضح هذه التيارات المتطرفة التى تفرض نفسها بالإرهاب على الشباب لتقدم لهم صورة شائهة عن الدين والدنيا معا وتكفر وتحرم وتحل دم كل من يخرج عنها.

يحكى الفيلم عن فترة دقيقة فى تاريخ تونس المعاصر، وبالتحديد بعد عامين من الثورة أى عام 2013 مع بروز الحركات السلفية المتطرفة والعلمانية هناك، ويبدأ بعودة الأب «إبراهيم» الذى يعيش فى فرنسا، إلى وطنة لدفن ابنه الذى توفى، فى حادث دراجة بخارية، ليكتشف أن ابنه «مروان» كان منخرطا فى جماعة إسلامية متطرفة، ليقوم الأب بإجراء تحقيقه الخاص، لاكتشاف إذا ما كان ابنه متطرفا ومعرفة من قاده إلى طريق التطرف، وأثناء بحثه تدور مناقشات بينه وبين بعض أعضاء الجماعات الإرهابية ليكشف زيف معتقداتهم الدينية، أمام قوة حجته، لكن هذه الجماعات الإرهابية لم تنس له قوة حجته فقامت فى نهاية الفيلم بنحره أو ذبحه على يد واحد منهم!.

قيمة فيلم «فتوى» أنه لم يقدم موضوعا جيدا فقط، وإنما قدم سينما جيدة من ناحية التصوير والمونتاج والإخراج، فقد كان صادقا جدا عندما أظهر حب الشارع والمقاهى التونسية لصوت أم كلثوم وليلى مراد ضمن مشاهد الفيلم، وكان موفقا أيضا فى اختياره قارئ قرآن ! لدلالة على انتشار الحركات الوهابية وحضورها فى تونس.

لكن يؤخذ عليه نهاية الفيلم الصادمة، فهذه النهاية تؤكد انتصار الإرهاب، لكن مخرج الفيلم «محمود بن محمود» فى ندوة الفيلم برر هذه النهاية بقوله: «النهاية قد تكون مأساوية مرتبطة بالقصة وشكلت صدمة للبعض ولم يكن ينتظرها أحد، لكن لها معنى آخر رمزيا، حيث إن الإرهاب مشكلته الأكبر مع المسلمين الذين يملكون قراءة تنويرية مختلفة للدين، أكبر من العلمانيين أو الملحدين، مشيرا إلى أن الفترة الزمنية التى دارت فيها الأحداث شهدت اغتيالات سياسية كثيرة استهدفت ناشطين سياسيين بحجم ثقيل وراح ضحيتها عشرات الضحايا، وأرى أن الفيلم تنبأ بموضوعات لا تزال مطروحة حتى اليوم».

كما يؤخذ عليه أيضا عدم تذكر الأم ــ لبنى ــ وهى شخصية مناضلة سياسية منفصلة عن زوجها التى أدت دورها «غالية بن على» ـ ابنها فى أى من المشاهد، حيث لم نشاهد دموعها أو حتى استدعاء مشهد واحد بينها وبين ابنها القتيل، رغم أنها لها معركة ضروس مع الجماعات المتطرفة فى تونس، والتى بسببها أصدروا «فتوى» بقتلها، وعلى أثر تلك المعركة لقى ابنها الوحيد حتفه بعد أن كان قريبا من التنظيمات الإرهابية التى قتلته.

فمثل هذه الأم لابد أن يتسلل الندم أو الذنب إليها فى لحظة ما، لكن هذا لم يحدث طوال الفيلم، وقد قدمت «غالية» الدور بفهم شديد رغم قصر الدور، وكان أفضل مشاهدها عندما طلب منها أحد التكفيريين تغطية شعر رأسها أثناء إقامة جنازة ابنها.

وقدم الفنان التونسى أحمد الحفيان دور الأب بتمكن شديد وبساطة وهدوء، وكان مفاجأة الفيلم بقوة أدائه ومناقشاته وحواراته الدالة على قوة شخصيته مع بعض أعضاء الجماعات التكفيرية، وكانت الفنانة «سارة الحناشى» ـ زوجة أحد الإرهابيين ـ بسيطة ورقيقة طوال الأحداث .

فى النهاية لابد أن نشيد بمخرج الفيلم «محمود بن محمود» ومعه جهة الإنتاج، ونقدم لهم التحية على هذه الرسالة الشجاعة التى تُوجه فى ظروف صعبة ومحفوفة بالمخاطر يشهدها العالم العربى من هذه الجماعات الإرهابية.

رابط داAdTech Ad

التعليقات