حقيقة ديون الخديوي إسماعيل.. " اللي بنى مصر كان في الأصل مديون "

تعتبر مسألة الديون من الجوانب المظلمة في عهد الخديوي اسماعيل، لأنها بتعتبر “مأساة” انتهت بوفاة استقلال مصر ودخول المحتل الأجنبي، عبر المنشور التالي نستعرض بالتفصيل الديون التى استداناها الخديوي إسماعيل وهذه المعلومات مأخوذة من كتاب (- عبد الرحمن الرافعي عصر إسماعيل)- أحمد الحتة (تاريخ مصر الاقتصادي) - جمال حمدان (عبقرية مصر) ).

الحقيقة ان الخديوي اسماعيل من اكتر الشخصيات اللي عليها علامات استفهام كتير، حتى ان اللي كتبوا التاريخ من المعاصرين او المحللين متفقوش على هل الخديوي اسماعيل كان مستهتر وبيحب نفسه؟ ولا كان بيحب مصر وعايز يطورها؟

الخديوي اسماعيل في كل الاحوال يعتبر من مؤسسي مصر الحديثة، وعمل فيها اصلاحات كتيرة في شتى المجالات ما بين اصلاحات حكومية ونيابية واقتصادية وتعليمية، وكلم في نفس الوقت كان مسرف، ومكنش بيحسبها صح هوا بس كان بيصرف وياخد في قروض وخلاص، حتى في فترة مصر فيها كانت من اغنى دول العالم ومكتفية ذاتيا، وحواليها فرنسا اللي كانت مغموسة في الحرب السبعينية، وامريكا في الحرب الاهلية اللي قضت على زراعة القطن هناك، فا مصر كانت منورة في النص كدة،

616x510.jpg

لكن طموحات الخديوي اسماعيل وحبه للصرف والبذخ والمنظرة اضطروه انه يمد ايديه للقروض ذات الفوائد الكبيرة، واللي استغلتها الدول العظمى وقتها عشان تتدخل في شئون مصر ، وهوا كان بيستلف عشان يسد عجز موازنة او يشتري ارض او قصر وخلاص، مش مهم بقا اللي تحتيه يحسبوها ويسدوها،

وده اللي قالوه صراحة المؤرخين امثال كتاب تاريخ مصر المالي وكتاب مدام اولمب إدواز وغيرهم، ان الخديوي مكنش مهتم غير بجمع الملايين وشراء الاراضي بس، وخد على ده قروض كتير من البيوت المالية في انجلترا بفوايد كبيرة جدا،

فا مثلا سنة ١٨٦٤م ، استلف الخديوي اول قرض من القروض اللي قسمت ضهره، من بيت Fruhling and Goschen الإنجليزي بحجة مقاومة الطاعون البقري اللي اصاب البقر في مصر وسداد اقساط ديون سعيد باشا ، مع ان مصر كان فيها فلوس كتير واصلا الفلاحين هما اللي شالوا فلوس الطاعون البقري، لكن هوا كان عايز الفلوس اللي كانوا ٥ مليون استرليني وشوية بفايدة ٧٪ ودي فايدة كبيرة جدا على ١٥ سنة وفي المقابل كان رهن ضرايب الاطيان في الدقهلية والشرقية والبحيرة،

وللعلم هوا مكنش بيحسبها نهائي، فا الفلوس الحقيقية اللي كانت بتوصل لخزانة الدولة مكانوش ال٥ مليون كلهم، لكن ٢ مليون مثلا والباقي بيعدي على اصحاب البنوك والمنتفعين والحكومة في شكل اكراميات وخنصرة، بلاوي يعني،

سنة ١٨٦٥م بعد ٨ شهور بس خد قرض تاني من بيت أنجلو في لندن بقيمة ٣ ونص مليون استرليني، بحجة سداد ازمة القطن اللي حصلت السنة دي، واللي اتلخصت في انتهاء الحرب الاهلية الامريكية وفتح الاسواق للقطن الامريكي، وده في نفس الوقت اللي كان الفلاحين في مصر مستلفين فلوس كتير على حس محاصيل القطن بتاعتهم واللي سعرها كان ضخم، فا لما القطن الامريكي رجع تاني فا سعر القطن المصري وقع، والفلوس عجزت عالفلاحين، فا اتدخل الخديوي اسماعيل وسدد عنهم المديونية دي في مقابل امهم يسددوها اقساط بفايدة ٧٪ للدولة،

فا الخديوي بقا خد الحجة دي وطلع على انجلترا بالرغم من انه كان سدها يعني وطلب قرض تاني، فا ادوله القرض،

هوا بقا خد القرضين دول ومصرفش حاجة على مصر، دا راح اشترى قصر إميرجان على نهر البوسفور في الآستانة يعني نوع من انواع المنظرة، وعمل كام طريق وكام قصر في مصر منهم سراي الجيزة، مع ان مصر مكانتش محتاجة القرضين دول لكن هوا اتلكك وخدهم وعمل اللي في دماغه، ورهن قدامها ٣٠٠ الف فدان من الاطيان،

8e36H344.png

سنة ١٨٦٦م خد قرص تالت ب٣ مليون استرليني من بيت اوبنهايم، وبفلوسه دفع رشاوي للدولة العثمانية عشان ياخد فرمان انه يضمن بقاؤه في العرش هوا وولاده عشان كان خايف من الاميرين مصطفى فاضل ومحمد عبد الحليم وبيغير منهم ومن اطماعهم في الكرسي، وبباقي الفلوس اشترى املاك الاميرين بالقسط والسندات عشان ميبقاش ليهم عين يعني، ورهن قدامها ايرادات السكة الحديد المصرية،

قرض تاني سنة ١٨٦٧م بقيمة ٢ مليون و٨٠٠ الف، دفع منهم باقي الفلوس اللي عليه من بناء قصر عابدين وحديقة الازبكية وخلافه، وكانت فايدته عالية جدا، والدين العام للقروض السايرة كانت وصلت ل١٠ مليون استرليني يعني فا مصر كانت بتقع ، والراجل بياخد قرض ويسد شوية من فلوس القرض الجديد،

القرض الكبير بقا كان سنة ١٨٦٨م واللي اخد من اوبنهايم ١١ مليون ٨٩٠ استرليني بشروط غريبة ، منها فوايد عظيمة وعدم الاستدانة لمدة ٥ سنين وكمان رهن إيراد الجمارك وعوائد الكباري وإيراد الملح ومصايد الأسماك، وفي المقابل صرف الخديوي الفلوس دي في حفلة قناة السويس، ورحلته للمعرض السنوي في فرنسا وكام حفلة كدة في الآستانة عشان يبان فخم وعظيم، الخزانة فضيت بس مش مهم المهم ابقا عالمي،

خلصت الحفلة، وميعاد تسديد الديون جه، وزارة المالية كانت بتشد في شعرها، مفيش فلوس في الخزنة والبلد بتقع فعليا ومواعيد التسديد قربت، لدرجة ان الخديوي استلف من واحد معرفة مبلغ ٣٠٠ الف جنية عشان يسد شوية عجز، والتضخم بقا زاد والفوايد بتكتر، مع انه اوحى للمعزومين على حفلة قناة السويس ان مصر بتفرح يعني وكلها فلوس، فا مش عارف يعمل ايه ،

 

اضطر الخديوي للنصب، فا باع للتجار الافرنج ٥٠٠ الف اردب من القطن وقبض التمن على ان يتم التسليم بعد ٥ شهور يعني مع المحصول الجديد،
فا لما المحصول يطلع يبيعه لناس تانية ب٧١ قرش ، وقبض مرتين، فا اتفضح، واضطر انه يشتريه من التجار تاني ب٧٨ قرش هوا هوا نفس المحصول في مقابل سندات وصكوك، ويسلمه للتجار الاولانيين، وده زود من الضرايب والمديونية وبوظ الدنيا اكتر،

مكنش عارف يسدد اي حاجة، حتى الاستانة ساعتها طلعت فرمان بحظر الاقتراض المصري الا بإذن من السلطنة العثمانية عشان الوحلة اللي هما فيها، فالخديوي اسماعيل راح للبنك الفرنسي المصري واقترض ٧ مليون جنية لحسابه الخاص بحجة انشاء مصانع سكر لاطبانه الخاصة، وفعلا عمل كام مصنع بس الفوايد بهدلته هيا كمان، وخسر اكتر واتداين اكتر واكتر،

اول ما الخمس سنين حظر عدوا، وبعد رشاوي كتير للعثمانيين عشان يلغوا الفرمان بتاع الحظر، خلصت المدة ، فراح على بين اوبنهايم تاني وطلب قرض سموه بتوع التاريخ "القرض المشئوم" قيمته ٣٢ مليون جنية بحجة سداد الديون السايرة اللي عليه، شروطه كانت قوية جدا ومهلكة وفايدة كبيرة جدا، القرض كان ب٣٢ مليون، بعد الاكراميات والمصاريف والسرقة وصل للخزنة ٢٠ مليون بس وكمان منهم ١١ مليون فلوس والباقي سندات، رهن قدامهم الخديوي كل حاجة تحت ايده من ايرادات السكة الحديد والموالح و خلافه ، ومعرفش الخديوي يسد بيهم ايه ولا ايه ..

لجأت وزارة المالية لهيئة الرزنامة "المعاشات" انها تاخد الفلوس ورؤوس الاموال من الاهالي بحجة تشغيلها في الصناعة والتجارة في مقابل ربح سنوي، وطبعا خدوها ولبسوها في الاخر،

فا عملت الوزارة قانون ضريبي اسمه المقابلة سنة ١٨٧١م وفيه ان اصحاب الاطيان يدفعوا الضرايب المستحقة ل٦ سنين مقدم، في المقابل يتم اعفاؤهم من نص الديون المربوطة على اطيانهم في المستقبل، وطبعا اجبروا اصحاب الاراضي بالضرب والاجبار انهم يعملوا كدة عشان الدولة تسد الدين، لكن الفلوس اللي جمعوها ١٣ مليون جنية راحوا زي اخواتهم.

سنة ١٨٧٥م، لما مصر اتأخرت عن الدفع، الديانين طالبوا بفلوسهم، وثقة بريطانيا وفرنسا في كفائة الحكومة المصرية على السداد اتزعزعت وبقوا شايفين ان مصر مش هتسدد يعني، فالخديوي اسماعيل كان عايز يكسب ثقتهم ويثبتلهم ان مصر ممكن تسدد بالرغم من كل حاجة، فا اقترح على بريطانيا انها تبعت موظف مالي يعاون وزير المالية المصري في الشغل ويبص بنفسه ويشوف الحال ايه، اهو منها يثبتلهم انه قادر، وانه مش خايف من حاجة،

الخديوي كان بيحاول يستخدم ذكاؤه، قال انه لما يبعتوا موظف مالي، ويشوف الكرم والبذخ ونفوذ الخديوي وعطاياه وكدة، هيكتب تقرير حلو ان حالة الخزانة كويسة، فا ياخد الخديوي التقرير ويرزعه في وش البيوت المالية الاوروبية وياخد منهم قروض تاني يحل بيها المشكلة،

لكن بريطانيا مش هبلة يعني، لقتها فرصة عشان تتدخل في شئون مصر، وبعتتله اربعة من اكفأ الماليين عندها، برئاسة ستيفن كيف، وسموها بعثة كيف، في نفس الوقت اللي الفلسان بتاع الخديوي اضطره يعرف اسهم قناة السويس للبيع وبقا منظره زفت،

الاخ كيف بقا جي اصلا عشان مصلحة اوروبا يعني، فا خد صلاحيات من الخديوي انه يعاون وزير المالية ويعدل عليه، وبعد ما خلص، عمل بعدها تقرير بيقول فيها ان حالة مصر زي الزفت والخزنة بتنش، وانها مش هتسد حاجة، واقترح بقا ان مصر تعمل مصلحة للرقابة على المالية برئاسة الانجليز ومياخدش قرض الا بموافقتها، ودي كانت الذريعة للتدخل في شئون مصر بعدها ،

المهم ، كل الطرق فشلت في التسديد والخزنة فضيت، وسنة ١٨٧٦م اصدر الخديوي فرمان بتأجيل التسديد لمدة ٣ شهور، او بمعنى تاني الافلاس، خلاص بقا انا فلست مش عارف اعمل ايه!!

النفوذ الانجليزي دخل مصر بحجة المديونية، في نفس الوقت اللي فرنسا كانت هيا كمان عايزة نفوذ اشمعنى انجلترا يعني؟ فا التنافس ده خلى القصر يتقسم نصين ما بين فريق من جوا الحاشية مع بريطانيا وفريق مع فرنسا،

فرنسا بقا لقت المستر كيف شغال مع وزارة المالية عنب، قامت بعتت هيا كمان المسيو فييه عشان يساعد، مهو انا مش شوية يعني،
المسيو فييه بقا قدم عرض للخديوي اسماعيل عشان يساعد في تحصيل الديون، فالخديوي مال لكفة فرنسا ،

انجلترا تسكت؟ لا مش هيحصل ، قامت بريطانيا هددت انها هتنشر تقرير كيف عالملأ واللي فيه ان مصر مفلسة فا مكانة مصر قدام اوروبا هتقع والاقتصاد هينهار، فالخديوي قالك مش كنا متفقين ده مش هيحصل؟

فا البرلمان الانجليزي حب يعلم عالخديوي، راح موجة سؤال في الجلسة البرلمانية لرئيس الوزراء الانجليزي وقتها "درزائيلي" عن مصر وسأل "هنشوف التقرير امتا"؟
فا رئيس الوزراء قال انه مش ممانع عن النشر لكن الخديوي هوا اللي ممانع، فالاجابة دي اثبتت لأوروبا ان مصر فلست ، فا الاسهم المصرية في سوق البورصة وقع ، ووقع اقتصاد مصر.

طبعا ده خلى وجود الخديوي في الحكم حاجة وقتية كدة واكيد هيتعزل، خصوصا ان السلطان العثماني عبد الحميد التاني كان قلقان منه وخايف من حكاية استقلاليته زي جده محمد علي، فا القنصل البريطاني والفرنسي ضغطوا عالسلطان العثماني عشان يعزله، وفعلا سنة ١٨٧٩م اصدر فرمان بعزله وتعيين توفيق مكانه،

وصل التلغراف لقصر عابدين، وفعلا اتنحى الخديوي اسماعيل عن الحكم لتوفيق، وساب البلد كلها وسافر نابولي ، ومن هناك راح على قصره اللي اشتراه في الآستانة "قصر إميرجان" وعاش فيه باقي عمره بعد تحديد اقامته او نفيه يعني، ومات يوم ٦ رمضان ١٨٩٥م في القصر.

هل الخديوي اسماعيل كان عايز يبني مصر ولا كان ليه اطماع شخصية؟ محدش عارف، لكن المعروف انه فعلا كان عايز يطور من مصر بشكل كبير ويبنيها عشان تبقا دولة متقدمة حتى وهوا مسرف او بحثا عن مجد شخصي، محدش عارف.

التعليقات