شاهد.. كيف سجل "مصور الرئاسة" لحظة اغتيال السادات؟

لأكثر من 7 سنوات، وخلال عمله مصورا برئاسة الجمهورية، دأب المصور الشاب عبد الوهاب السهيتي، على تغطية احتفالات الرئيس محمد أنور السادات بذكرى انتصارات أكتوبر، لكن مشاركته يوم السادس من أكتوبر عام 1981 فى تصوير العرض العسكري ظلت محفورة في ذهنه، وبقيت تفاصيلها حاضرة لا تفارق مخيلته. 
يومها استعد "السهيتي"، ليسجل بكاميرته تفاصيل العرض كما اعتاد خلال سبعة أعوام سبقت هذا التاريخ، اطمأن على أن معداته جاهزة لالتقاط كل صورة، وربما تمنى أن يلتقط صورة أفضل خلال هذا اليوم بصفته أصغر المصورين الصحفيين في مؤسسة الرئاسة. 
 
ساعات قليلة وعرف المصور الشاب أن اليوم ليس عاديًا، بل يوم تاريخي بكل ما تحويه الكلمة من معنى، ظلت في ذهنه ذكريات كثيرة عن كواليس ما حدث.
حضر السهيتي إلى ساحة العرض فى ساعات مبكرة، ولدواع أمنية كانت تقتضي دخول الجميع إلى المكان قبيل وصول رئيس الجمهورية بساعتين على الأقل: «ذهبنا لتسجيل الاحتفال بنصر السادس من أكتوبر، وأسفل منصة النصب التذكاري للجندي المجهول انتظرنا حتى حضور الرئيس السادات ونائبه مبارك ووزير الدفاع - الجديد وقتها محمد عبد الحليم أبو غزالة، الذين حضروا بزيهم العسكري المُصمم خصيصًا للقادة الثلاثة، ووضع الرئيس إكليلا من الزهور، ثم اتجه القادة ونحن أمامهم صوب منصة العرض».
تفاصيل مضحكة وأخرى سببت بعض الأزمات يوم العرض ما زال السهيتي يسترجعها حينما تحل ذكرى الحدث: «بدأت العروض العسكرية وسط فرحة كافة الحضور، وعند وصولنا للمنصة وقفنا كمصورين على الجانبين، بينما صعد البعض للبرج المصُنع خصيصا للتصوير، وفي مواجهتي شاهدت عن بعد زميلي بدار الهلال عادل مبارز يدخل فى مشادة مع أحد الضباط، علمت بعدها إنها كانت بسبب عدم امتلاك مبارز «دبوسا» لتثبيت تصريح الصحافة. 

 

 
وانتهت المشادة بشبك التصريح «بزرار» القميص، وأثناء العرض تعطلت إحدى الدراجات البخارية، فكانت محل ضحك الحضور بما فيهم الرئيس والقادة».
كان من المقرر وفقا لجدول الرئيس، أن يصطحب معه مجموعة من المصورين بعد العرض إلى قبر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومن بعدها إلى مسقط رأسه "ميت أبو الكوم" بالمنوفية: «بدأنا في الابتعاد عن المنصة وتجهيز أنفسنا لمغادرة المكان تمهيدًا للذهاب لقبر عبد الناصر ثم السفر لبلدة الرئيس السادات بميت أبو الكوم، وخلت منطقة المنصة من المصورين إلا القليل، ولا تزال المركبات تمر أمام المنصة بينما تستعرض الطائرات ألعابها وتضخ ألوانًا مبهرة في سماء المكان، كان الرئيس وجميع الحضور عيونهم في السماء لمتابعة العرض الجوي».
 
وبينما كان الجميع بما فيهم السهيتي يجهزون أنفسهم لنهاية العرض، والاستعداد لما بعده من فاعليات تأزم الوضع: «أمام المنصة اهتزت إحدى السيارات التي تجر خلفها مدفعا حتي توقفت تماما، لم أتمكن من رصد الحدث جيدا، طلقات رصاص وهرج ومرج والأمن يجري في كل اتجاه إلا ضابط واحد أطلق أعيرته من خلال مسدسه ولم يساعده في تحقيق هدفه هو عصام شحاتة، أحد ضباط أمن الرئاسة، لم أتمكن من تسجيل صورة واحدة بعد أن احتجز الأمن المصورين الصحفيين وأنا معهم، وترك المنصة».
رغم وجود عدد لا بأس به من المصورين الصحفيين فى ساحة العرض إلا أن اثنين فقط هما من تمكنا من تسجيل لحظة اغتيال السادات ، ويروي السهيتي تفاصيل تلك اللحظات الصعبة قائلا: «وقف المصور محمد رشوان أحد مصوري الرئيس السادات لتسجيل الحدث فاستشهد أمامي في الحال على أيدي الجناة، وأثناء احتجازي عاد للظهور أمامي على الجانب الآخر زميلي عادل مبارز، لكن هذه المرة كان تحت أيدي أحد الضباط الذي لصق ماسورة الطبنجة في رأسه ظنا منه أنه أحد الجناة ولم يفلت «مبارز» إلا بعد التحقق من هويته الصحفية، حالة من الذهول انتابت كل الحضور إلا اثنين من كبار المصورين الصحفيين هما مكرم جاد الكريم ورشاد القوصي الذين سجلت عدساتهم الحدث من أول طلقة».
 
بعد الحادث مباشرة تم نقل مصوري الرئاسة الى قصر عابدين وهناك التقاهم كبير مصوري الرئاسة حسن دياب والذي عاتبهم لعدم تمكنهم من تصوير الحدث وكان اللوم الأكبر لتلميذه "السهيتي": «عدت مع الأستاذين سيد مسلم وبرهام الباجوري إلى قصر عابدين الذي تحول بقدرة قادر إلى دهاليز مظلمة موحشة، والتقينا أستاذ الجميع حسن دياب الذي أصيب بحزن عميق على صديق عمره الرئيس السادات، وسألنا جميعا عن نتيجة أعمالنا، قَصَصْنا عليه ما حدث من الأمن فاتهمهم بالغباء، لكنه لام علينا عدم العمل بروح الفريق، فلو قسمنا أنفسنا علي المواقع لتمكن أحدنا من النجاح الذي يعم على الجميع، وكان لوم دياب لي أكثر من أساتذتي حيث إن أعمارهم لم تساعدهم على كثرة الحركة بينما كنت أتمتع بصحة الشباب».
أما عن نجاح مكرم جاد الكريم فيقول «السهيتي»: « كان مولده الصحفي مع حرب اليمن، ورصدت عدساته حرب اليمن ثم نكسة يونيو 1967، ولذلك كان حادث المنصة الذي كان بالنسبة لما سبق له مجرد «لعب أطفال»، فذاعت شهرته علي العامة وأصبح المصور الأفضل في تصوير الأحداث الكبرى لدى جميع الوكالات والصحف».
وأضاف «لم يقبل مكرم بيع الفيلم مقابل 50 ألف جنيه، وبعد تسليم فيلمه لمؤسسته قام الأستاذ موسى صبري بصرف مكافأة مالية له فضلا على حصوله على نسبة من متحصلات بيع الصور للصحف والوكالات، كما أن الأستاذ فاروق الفولي قام بتصوير الحدث بالفيديو منذ أول لحظة حتى نهاية الحدث، ولأنه كان يعمل لحساب وكالة أنباء أجنبية لم نشعر نحن المصريين بذلك».

 

التعليقات