الأديب "نجيب محفوظ" يحاور "إسماعيل ياسين" ويسأله عن "القبلة"!

نتوقف اليوم أمام عملاقين، كل واحد فى مجاله، جمعت بينهما مجلة " أهل الفن" في أحد أعدادها عام 1955 أولهما الأديب والكاتب الكبير نجيب محفوظ، والأخر إسماعيل ياسين، وقد وجه "نجيب" مجموعة من الأسئلة لـ"إسماعيل"، وقبل أن يجاوب "إسماعيل" على الأسئلة قال لمحرر مجلة " الفن": تصور يا أخي أنا كان نفسي من زمان قوى، من زمان خالص، مش عارف من كام سنة، جايز بعد ما اتولدت على طول....
المحرر: وسنك كام على كده؟
إسماعيل: 42 سنة وكام يوم
المحرر: ده سنك الحقيقي؟
إسماعيل: لا ده " سن الفيل"!
ويضحك سمعة وهو يستطرد: باقول لك نفسي من زمان إنى اقابل الأستاذ نجيب محفوظ، تعرف ليه؟
المحرر : ليه؟
إسماعيل: عشان أقوله " شيك هاند" عزيزي محفوظ
المحرر: بجد نفسك تقابله ليه؟
إسماعيل : عشان خاطر روايته الجميلة " زقاق المدق"، وعشان كده مبسوط الليلة أنى هجاوب على أسئلة الأستاذ نجيب محفوظ.
وبهذه المقدمة المرحة أستقبل اسماعيل ياسين أسئلة الكاتب والقصاص نجيب محفوظ التى كان أولها هذا السؤال
عرفناك فى الأفلام على صورة معروفة فماهى العلاقة بين هذه الصورة وصورتك الطبيعية في الحياة؟
هذه الصورة تفسد حياتي إلى حد بعيد، فإن أكثر الناس يخلطون بينها وبين بقية حياتي، فالفن ... فن، والحياة ... حياة، ولك أن تتصور أن كل قارئ من قرائك يريد منك أن تكون قصاصا طول الوقت، فإذا قابلك لم يحدثك إلا عن القصة، وإذا شاهدك فى الطريق ذكرك بزقاق المدق أو بخان الخليلي، أو بالقاهرة الجديدة، وهذا ما يحدث معي، فإن الجمهور لا يرى فى حياتي سوى الجانب الضاحك الساخر المرح، ولا يتصور أحدهم مطلقا أن " سمعة" يمكن أن يكون حزينا أو غاضبا أو " مبوز".
ولقد سبب لي هذا كثيرا من الحرج، وأحيانا من الألم، وأنا لعلمك ــ لا تعلم هذا ــ ابتسم كثيرا وأضحك أكثر بحكم العادة فقط، وأحيانا لا تكون هناك أية صلة بين قلبي وبين ابتسامتي، وعندما تصبح الإبتسامات صناعة، والضحك مهنة، لا يكاد المرء يجد فيها السعادة التى يجدها الآخرون فى فكاهاتي، ولست أعنى أننى حزين دائما، ولكننى إنسان، وحياتي كحياة كل الناس، لها جانبها المرح، ولها جانبها الحزين، وقد فشلت فى أن أقنع الناس بهذه الحقيقة، وكانت النتيجة أننى أصبحت ابتسم إذا حزنت، وإبتسم إذا كنت سعيدا، أما الجمهور فإنه يضحك فى الحالين، والعلاقة بين صورتي في الأفلام وصورتي الطبيعية فى الحياة ليست أكثر من أننى " البرواز" الذى توضع فيه الصورتان.
ما هو أحب دور إليك قمت بتمثيله؟
هذا السؤال يا أستاذنا محرج، لأنني أحب كل أدواري، حتى الأدوار التى لا تعجب غيري، لأنها لو لم تعجبني لم قمت بتمثيلها، فأنا لا أندمج سريعا فى أي دور، ولكنني اندمج فى الحال إذا كان الدور يناسبني، وأعتقد أن دوري فى مسرحية " من كل بيت حكاية" من أحب الأدوار التى مثلتها على المسرح إلى نفسي، وأما فى السينما فإن دوري فى فيلم " إسماعيل يس في الجيش" كان من أحب أدواري إلى نفسي.
ما هو الدور الذى تحلم بأن تؤديه على الشاشة أو على المسرح؟
إننى أحلم دائما بكل أدواري، فإن لونا معينا يؤديه الإنسان على الستار الفضي دائما يجعل باب الأحلام مفتوحا أمامي، لقد كنت أحلم بعد أن قامت ثورة يوليو 1952 أن أمثل فيلما تدور أحداثه حول حياة جنودنا فى الجيش، وأعتقد أننى أحلم الآن بدور مماثل في البحرية، وآخر في الطيران.
وأما على خشبة المسرح، فالواقع أن زميلي الأستاذ أبوالسعود الأبياري هو الذى يحلم بهذه الأدوار، وبعدها تصبح أحلامه قصة مسرحية أمثلها على خشبة المسرح ... خدمة كمان!
لو لم تكن ممثلا سينمائيا ومسرحيا ونجما لامعا فى الكوميديا ماذا كنت تتمنى أن تكون؟
حياتي بدأت بداية غير سهلة، وقد كافحت كفاحا قاسيا، حتى أننى أستطيع أن أقول لك أن كل ابتسامة ابتسمتها الآن دفعت ثمنها فى مطلع حياتي الف دمعة، دون مبالغة، ولقد جاءت علي لحظات كنت أفقد فيها ايماني بكل شيئ، عدا إيماني بالله، ولقد وضعت هذا الماضي كله أمامي، وأننى أسترجعه دائما كلما خطأ ابني ياسين أمامي هنا أو هناك، فأحمد الله لأننى بكفاحي قد منحته السعادة التى يحب كل أب أن يمنحها لأولاده، سعادة الأستقرار والأطمئنان إلى المستقبل المجهول الذى سيعيشون فيه، فلو أننى لم أكن إسماعيل ياسين الممثل لما تمنيت أكثر من أن أكون ياسين الصغير!
ماهي هوايتك الأولى بعد التمثيل طبعا ومثلك الأعلى في هذه الهواية؟
هوايتي الأولى ـ بعد التمثيل ـ ابني ياسين، فأن ياسين هو حياتي كلها، بل هو السعادة التى أراها بعيني فى كل يوم، تسير وتذهب إلى المدرسة، ومثلي الأعلى فى هذه الهواية هو أن أخلق منها سعادة لصاحبها، كما خلق صاحبها سعادة لنفسي، وسعادتي أن يصبح ياسين ــ بعدما يصير رجلا ــ مواطنا صالحا مثقفا ناجحا، وأخشى ما أخشاه على هذه الهواية هو أن يصر ياسين على أن يتخذ من والده الفنان مثله الأعلى، فأننى أخشى عليه من صناعة الفن، فالفن مهنة يحترق صاحبها، ويحسده الناس على النار التى يحترق بها.
وأنا لا أحب لابني هذه الحياة لأننى أعلم أن النار التى يحسدنا البعض عليها ليست بالنور الخالص كما يتوهمون، وأمنيتي أن يصبح ضابطا أو مهندسا حتى لا تهتز صورة المثل الأغلى الذى أنشده لهذه الهوية.
لماذا تصر على عدم تقبيل بطلات أفلامك؟!
لأني بنكسف أوووى يا نجيب يا خويا!! حقيقي لأنني أحترم مشاعر زوجتي.
ما هى أحب صفة فى الرجل في نظرك، وفى المرأة وما أبغضها؟
أحب صفة في الرجل في نظري إيمانه، فأن حياة الرجل بلا إيمان تصبح حياة لا معنى لها، والرجل المؤمن بالله وبنفسه وبأسرته وبأماله رجل كامل ناجح، وأحب في المرأة أن تكون ربة بيت كاملة، وأن تعطي حياتها لأولادها قبل أن تعطيها لنفسها، فبعض سيداتنا لا يرون فى أولادهن أكثر مما يرون فى قطع الأثاث في منازلهن، شيئ وجد للزينة، الأثاث لزينة المنزل، والأولاد لزينة الحياة الدنيا، بلا حقوق ولا واجبات.
وأبغض في الرجل الأنوثة! بمعنى المبالغة فى التزين والتجمل، و" سبسبة" الشعر، وإرتداء القمصان "الوردية المسخسخة"، والمشجرة، ولم يبق من الموضات ما يرتديه هؤلاء السادة سوى البلوزة والجونيلة.
وأبغض المرأة المسترجلة التى ترتدي البنطلون، وتعطى لمقص الكوافير الأذن بأن يجعل من رأسها رأس رجل، وهى بعد هذا كله تسير في خطوات حازمة وترسم على شفتيها تكشيرة سخيفة وتخرج صوتها من جوفها ليبدو أجش، أن أجمل ما في حياتنا، حياتنا الطبيعية ذاتها الإيمان والرجولة في الرجل، والكمال والأنوثة فى المرأة.
ويصمت إسماعيل قبل أن يقول : إنما قل لي بقى يا أستاذ نجيب أنت يا خوي كنت ملخبط المقاييس دى كلها فى " زقاق المدق" وبرضه عجبتني تكونشي بتسحر القراء!!ويضحك " سمعة" وهو يستطرد قائلا: عن أذنكم بقى يا قراء أحسن الجمهور عاوزني على المسرح والمرة الجاية أقولكم نكتة!

من صفحة الناقد "احمد السماحى"

التعليقات