"صرخة أم صائمة".. قصة "محمد ضحية شربة ماء" في الشرقية

"راح في شربة ميه".. مثل شعبي انطبق بصورة كبيرة على طفل في عمر الزهور ابتلاه الله بفقدان الأب والسند وسوء الظروف، لكنه بدلًا من ندب حظه ولعن الظروف، راح يعمل في أي مهنةٍ كانت للإنفاق على إخوته ووالدته، حتى ساقه القدر للمهنة التي كانت سببًا في نهاية حياته مقتولًا.

على بُعد أمتار من مدخل عزبة "حفيظ" التابعة لدائرة مركز شرطة الإبراهيمية، بمحافظة الشرقية، وبينما تتوسط الشمس سماء العزبة لتؤكد ارتفاع درجة الحرارة في يوم الثلاثاء الأول من شهر أكتوبر الماضي، كان "محمد" ابن السبعة عشر عامًا كعادته يقوم بدوره على الوجه الأمثل داخل المخبز الموجود ببندر المدينة، لكن طلبًا مفاجئًا من "أحمد" زميله في العمل، والذي يكبره بأكثر من أربعة أعوام، غير دفة حياته للأبد وعجلَّ بنهايته.

"هات اشرب يا محمد".. قالها أحمد للطفل الصغير، والذي ذهب ليجلب المياه، لكنه سهوًا وبطريقة عفوية نسي وشرب من المياه قبل أن يُعطيها لزميله، فما كان من الأخير إلا أن لكمه بـ"البوبكس" في وجهه، قبل أن يُقسم بالأيمان أن فعلته هذه لن تمر مرور الكرام، وأنه سيدفع ثمنها غاليًا، في جملة لخصتها "صفاء محمد" والدة الطفل لـ"مصراوي" بأن "أحمد كان ناوي على الغدر وابني غلبان وفي حاله والناس كلها تشهد بكده".

مرت ساعات قليلة وعاد الطفل محمد إلى منزله الذي يأويه هو ووالدته "صفاء" الأرملة ذات الـ33 ربيعًا، وإخوته الصغار، طفل وطفلة، لا يجدون غير كلمة "بابا" ينادون بها شقيقهم الأكبر ومن تحمل المسئولية بعد وفاة رب الأسرة قبل أكثر من ست سنوات، إلا أن عودة أحمد في ذلك اليوم تبعها مفاجأة أربكت الأم وأطارت النوم من عينها؛ بعدما عرفت بما جرى في الفرن بين طفلها وزميله، قبل أن تفاجأ بالأخير يحمل سلاحًا وينوي الفتك به.

هرولت الأم إلى زميل ابنها وهي ترجو أن تؤثر كلماتها فيه: "ابني مليش غيره يا أحمد، الله يبارك لك يا ابني إخذي الشيطان وانتوا إخوات ملكوش غير بعض"، وبعد "محايلة" ليست بالقليلة تم الصلح بين الطفل وأحمد، إلا أن الأخير ظلت في داخله مشاعر الغضب مكتومة قبل أن يُفصح عن ذلك بما لم تتوقع أم الصغير بعدها بأقل من ثمانية وأربعون ساعة.

كعادتها كانت صفاء تصوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، وفي نهاية أسبوع الواقعة، وقبل دقائق قليلة من آذان المغرب، جهزت وجبة الإفطار وطلبت من طفلها مشاركتها الطعام، لكنه أجابها بأنه سيذهب إلى مسجد العزبة يؤدي صلاة المغرب، على أن يعود بعدها ويأكلان سويًا.

لحظات فرقت بين آذان المغرب وصراخ دوى في جنبات العزبة، وما إن انتهت الأم من أداء الصلاة إلا وهرعت من جديد إلى شرفة المنزل تستكشف سبب الصراخ، وهنا كانت الطامة الكبرى حاضرة على لسان إحدى الجارات: "ابنك مات يا أم محمد"، قبل أن يحمل أهل الناحية الطفل غارقًا في دمائه إلى مسجد العزبة.

"عرفت إن أحمد نادى على محمد ابني وقال له عاوزك في حاجة، وفي مكان ضلمة جنب الجامع ضربه بمطواة وسابه غرقان في دمه، وبعدها كلم واحد صاحب محمد اسمه علي، وقال له أنا قتلت محمد روح عرف أهله أنا موتهولكم"، قالتها الأم لـ"مصراوي" وهي تُكفكف دموعها، قبل أن تكشف عن شكوى وطلب أخير: "ناس من معارف اللي قتل بيهددوني أتنازل عن حق ابني، وأنا كان مليش غيره وراح مني وكل اللي طالباه عدل ربنا".

اللواء عاطف مهران، مدير أمن الشرقية، كان تلقى إخطارًا من العميد عمرو رؤوف، مدير المباحث الجنائية، يفيد ورود بلاغ من مستشفى "الإبراهيمية" المركزي، بوصول "محمد أحمد محمد سليم" 17 سنة، طالب بالصف الثالث الإعدادي الأزهري، ويعمل "فران" بمخبز في بندر المدينة، مُقيم بعزبة "حفيظ" التابعة لدائرة مركز شرطة الإبراهيمية، جثة هامدة متأثرًا بإصابته بجرحين نافذين، أحدهما بالصدر والآخر بالقلب، فيما تبين إصابته بنصل حاد من سلاح أبيض "مطواة"، وانكسار النصل في صدره.

وتبين أن وراء ارتكاب الواقعة زميل المجني عليه بالفرن الذي يعمل فيه، ويُدعى "أحمد. م. ك" 19 سنة، مُقيم بذات الناحية، حيث تبين نشوب مشاجرة بينهما قبل يومين من الواقعة، قبل أن تتجدد ويُخرج المتهم سلاحًا أبيض "مطواة" أنهى بها حياة زميله ولاذ بالفرار، قبل أن يتم ضبطه وبحوزته السلاح المُستخدم في الواقعة.

ووسط حراسة مُشددة، مثلَّ المتهم جريمته، فيما قرر قاضي المعارضات تجديد حبسه وإحالته إلى المحاكمة.

وأسدلت محكمة بندر ههيا، بالشرقية، اليوم الأحد، الستار على القضية المتهم فيها فرانًا بقتل طفل زميله بسبب خلافات بينهما على أسبقية شرب المياه بالفرن؛ وذلك بمعاقبة المتهم بالسجن 15 سنة.

التعليقات