ماذا فعل التكفيريون مع محمد الحايس؟.. سيناريو 10 أيام في قبضة الإرهابيين

10 أيام قضاها محمد الحايس، معاون مباحث قسم شرطة ثاني أكتوبر، في الأسر، من قبل عدد من العناصر الإرهابية، حملت كثيرًا من الأحداث والتفاصيل، تم كشف جزء ضئيل منها، ويظل الكثير لم يُكشف بعد.. لماذا لم يقتل الإرهابيون النقيب «الحايس»؟ هل تعرض للتعذيب؟ ما حقيقة عدم تناوله طعامًا وشرابًا لأكثر من ثمانية أيام؟ وهل يجوز ذلك علميًا أم لا؟ نحاول الإجابة على تلك الأسئلة في التقرير التالي.

البداية مع اقتراب الثانية عصر يوم الخميس 19 أكتوبر (قبل حادث الواحات بيوم) رفع هاتفه، واتصل بوالده الدكتور علاء، ليخبره بعدم عودته في موعده المحدد (عمله يبدأ من الحادية عشرة مساءً حتى الثانية عصر اليوم التالي)، نظرًا لارتباطه بمأمورية تابعة للأمن الوطني، لكنه فوجئ بإلغاء المأمورية، ليعاود الاتصال بوالده ويخبره بذلك.
لكن قبل مغادرته قسم شرطة ثاني أكتوبر، تلقى أمرًا بعدم المغادرة لتنفيذ المهمة، للقبض على عدد من العناصر الإرهابية، فعاد يتصل بوالده، لكنها ألغيت (المأمورية) من جديد. ظل على هذا الحال، إلى أن اتصل بشقيقته في الرابعة والنصف فجرًا، ليخبرها بذهابه في مأمورية إلى منطقة الواحات، طالبًا منها عدم إخبار والده، حتى يعود من المأمورية، ويخبره بنفسه.
مرت الساعات ثقيلة، لكن النقيب محمد لم يعد إلى حضن والده، فحاول والده مهاتفته في العاشرة من صباح اليوم التالي، لمعرفة ما إذا كان سيصلي معه صلاة الجمعة أم لا، لكن هاتفه ظل «خارج نطاق الخدمة».
لم يجد والد النقيب «الحايس»، سبيلًا للوصول إلى نجله، سوى الاتصال بزملائه، فاتصل برئيس مباحث قسم ثاني أكتوبر، الذي يعمل محمد تحت قيادته، عصر الجمعة، إلا أنه أبدى عدم معرفته بأي تفاصيل.
بعد ساعتين يتصل رئيس المباحث، بوالد النقيب الحايس، يؤكد له استشهاد نجله محمد، قائلاً: «البقاء لله يا دكتور علاء»، وطالبه بتجهيز نفسه لحضور جنازة عسكرية صباح السبت، هنا خيّم على أسرة النقيب، مزيجٌ بين حزن شديد على الفراق، وسعادة مشوبة بالبكاء، على استشهاده في سبيل وطنه.
مرت الساعات ببطء شديد، حتى جاء الصباح، فلم يتصل بالأب أحد لحضور الجنازة العسكرية المنتظرة، راح يتواصل مع كل من له علاقة بنجله، لكن أحدًا لم يجب عن تساؤلاته، راح يتنقل بين مستشفيات وزارة الداخلية، حتى الثانية من منتصف ليل الأحد، لكن لم يجد جثمانه، أو ما يفيد بأنه استشهد.
ظل الأب في حالة بحث دائمة لنحو عشرة أيام، يتنقل بين القنوات الفضائية، يطالب الرئيس بمعرفة مصير نجله، سواء أكان شهيدًا أم ما زال على قيد الحياة. حتى كانت الخامسة مساء يوم الثلاثاء 31 أكتوبر، لتعلن القوات المسلحة تفاصيل ملحمة الثأر، وشن هجوم على منطقة اختباء العناصر الإرهابية على طريق الواحات، بإحدى المناطق الجبلية غرب الفيوم، وتمكنها والشرطة من تحرير النقيب محمد الحايس، ليعيد هذا البيان الحياة لأسرة النقيب، وعموم الشعب المصري، الذي استعاد فرحته.
عقب تحرير النقيب «الحايس»، طلب الاتصال بوالده لتطمينه، والاطمئنان عليه، حينما رأى والده، بكى وقبّل يده، وقال: «ماكنتش مصدق إني هشوفك تاني يا بابا».
«10 أيام في الأسر» مكبل اليدين، معصوب العينين بغمامة سوداء، وسط 14 إرهابيًا، يتعاملون معه من وراء أقنعة، مارسوا ضده كل أنواع الإيذاء النفسي، وبعضًا من الإيذاء البدني. لكنه لم يُذّل لهم أو يخفض هامته، بل كال لهم الإهانات، قائلاً: «إنتو مش رجالة، لو عايزين تموتوني موتوني، ولو إنت راجل اضربني بالنار، إنت مكتفني ومغمي عيني وعايزني أتكلم، فك إيدي وشيل الغمامة وأنا هاعرف أتعامل معاكم».
يتنقلون به مصابًا من منطقة إلى أخرى، ينصبون الخيام، ثم يفكونها، ويرحلون إلى مكان آخر، في اليوم التالي، كي يصعب على الأمن رصدهم. في الأيام السبعة الأخيرة قبل تحرير الحايس، لجأ الإرهابيون إلى تجويع وتعطيش النقيب محمد الحايس، عبر منحه نحو 5 سم من المياه طوال اليوم، وأقل القليل من الطعام، مما سبب له تشققات في الفم وصعوبة في التنفس، وهبط ضغط الدم إلى 50/20.
في الوقت الذي كانت العناصر الإرهابية تحصل على طعامها عبر تعاونهم مع أشخاص من البدو (محل ثقة) يزودونهم بالطعام والشراب مقابل ألف جنيه فى اليوم. الإرهابيون استخدموا تطبيق «تليجرام»، الأقوى والأشهر والأكثر أمانًا للعناصر الإرهابية فى نقل المعلومات والتكليفات، وإمكانية استخدامه في أقل شبكة للإنترنت، فى التواصل مع بعضهم بأسماء وهمية.
«الصمت يخّيم على الحايس» ظل لفترات طويلة ملتزمًا الصمت، دائم التفكير في مصيره، يجول بخاطره كثير من التساؤلات، أهمها هل سيرى والده وأمه وأخاه وأخته، أم تنتهي حياته بعيدًا عنهم؟ وهل ما زالت أجهزة الدولة تبحث عنه نظرًا لطول فترة أسره؟ هل هم قادرون على إيجاده وسط الصحراء؟ لماذا لم يقتل الإرهابيون «الحايس»؟ صيدٌ ثمينٌ ربما نستفيد منه، إما رهينة نساوم عليه بعدد من رجالنا، أو ننقله إلى ليبيا، كان ذلك هو الحوار الدائر بين العناصر الإرهابية بعد خطف النقيب محمد الحايس. استجوبوه مرارًا وتكرارًا، حاولوا مساومته بإطلاق سراحه للحصول على معلومات، لكنه لم يفصح لهم عن شىء، بخلاف أنهم علموا كونه أحد أفراد المباحث، وليس ضابطًا بالأمن الوطني، أي أنه قوة تنفيذية، وبعيد عن استراتيجيات المواجهة معهم. إلى أن استطاعت القوات المسلحة بالتعاون مع الشرطة، توجيه ضربة عسكرية بالغة القوة، أسفرت عن مقتلهم وتحرير النقيب المخطوف.
عقب تحرير النقيب محمد الحايس، قال لوالده، إن فترة أسره عظمّت بداخله الشعور بحب الوطن، وعلم جيدًا أن الوطنية ليست مجموعة من الشعارات. فور وصوله إلى مستشفى الجلاء العسكري، تبين أنه يعاني من تشققات في فمه وصعوبة في التنفس من قلة شربه الماء، وأن ضغطه وصل إلى «50/20»، ومشاكل في الدورة الدموية، بخلاف أربع إصابات في كتفيه ويديه وقدمه. علميًا جسد الإنسان يستطيع مقاومة التجويع والعطش لفترات طويلة نسبيًا، تؤثر في طول تلك الفترة أو قصرها طبيعة ذلك الجسد، وكمية الطاقة الموجودة والمخزنة به، على شكل كربوهيدرات، يتم تخزينها في العضلات، ودهون تخزن في مناطق مختلفة بجسم الإنسان.
أول ما يقوم الجسد باستهلاكه هو تكسير الطاقة المخزونة في العضلات للحصول على الجلوكوز، ثم يتوجه على المخزن الكبير من الدهون الموجودة تحت الجلد، حتى تنتهي، ثم ينتقل إلى الدهون حول الأعضاء الداخلية للجسد «مثل الكلى والكبد»، التي دورها حماية تلك الأعضاء، وصولاً إلى خلايا العضلات، وقد يستغرق ذلك أيامًا أو شهورًا، ويتحكم في ذلك طبيعة الجسم والجينات الوراثية.
لكن تكسير الدهون له آثار جانبية، حيث ينتج عنه مركب الأسيتون، وهو يؤثر بالسلب على الكلى بسبب نقص السوائل، والكبد أيضًا، وترتبط عودة جسم الإنسان المتعرض لهذه الحالة للحياة الطبيعية بقدرة الجسم على استعادة قواه، فلا توجد فترة زمنية محددة، يتم تعميمها على جميع الأفراد، لاختلاف عوامل جسد لآخر. محمد، الآن، تحسّن بشكل كبير، خاصة بعد إجراء العملية الجراحية، وأنه يعيش حاليًا على المحاليل لتعويض المواد الغذائية والمياه التي فقدها.
 

التعليقات