«ميريل ستريب» وتسريبات البرادعى

(1)

شعرت الفنانة الكبيرة بحالة من الذهول وهى تشاهد مرشح الرئاسة يقلد طريقة كلام وحركات مواطن معاق، ساخراً من معارضته له.

(2)

الأمريكيون يمكن أن يتقبلوا جون ستيوارت وهو يسخر من مسؤول أو فنان مشهور، أو يقلد أحد السياسيين بتهكم، فهو مقدم برامج ساخر، لكنهم لن يتقبلوا ذلك من رئيس دولتهم، لذلك لما شاهدت النجمة الأمريكية الشهيرة ميريل ستريب المرشح الرئاسى دونالد ترامب يفعل ذلك علناً أثناء حشد انتخابى أمام أنصاره فى ولاية ساوث كارولاينا أصيبت بصدمة عنيفة، فقد كان الرجل الذى يسعى لحكم بلدها يرفع ذراعيه بتشنج مفتعل ويغير نبرة صوته ليقلد الصحفى سيرج كوفاليسكى من صحيفة نيويورك تايمز، الذى يعانى من إعاقة حركية، وعبرت ستريب بأسى عن هذا الموقف قائلة: «كسر قلبى عندما رأيت ذلك، ومازلت لا أستطيع التخلص من أثره حتى الآن، لأنه لم يحدث فى فيلم سينما، بل فى واقع الحياة، هذا الميل الغريزى للإهانة عندما يمثله شخص على الساحة العامة، شخص صاحب نفوذ، فإن أثره يمتد إلى حياة الجميع، لأن قلة الاحترام تولد قلة الاحترام، وربما أيضا تؤدى إلى العنف، وانتشار التنابذ والتناحر فى المجتمع».. فالعامة على دين ملوكهم كما يقولون.

(3)

هل صاحب المنصب الرفيع يكون عظيما بالضرورة؟ وهل الرئيس مسموح له بأن ينقد العامة ويسخر من سلوكهم؟

هذا هو السؤال الذى أعادت ميريل ستريب طرحه، والتخوف منه فى كلمتها عقب تسلم جائزة تكريمها عن مجمل أعمالها فى حفل جائزة «الكرة الذهبية» التى تمنحها رابطة الصحفيين الأجانب بولاية كاليفورنيا، وهى الجائزة التى تحتل المرتبة الثانية فى الأهمية بعد جوائز الأوسكار، فدونالد ترامب، الفائز بالرئاسة، شخص يثير المخاوف بأدائه المنفلت، وسلوكه المتهور الفظ، حتى إن نصف الشعب الأمريكى على الأقل يعتبرونه عنصريا، ضيق الأفق، ليست لديه مؤهلات للرئاسة وإدارة الدولة، ليس لأنه لن يوفر لهم الخبز والسكر، ولكن بسبب تصريحاته العنصرية التى هاجم فيها المهاجرين، والمسلمين، والصحافة، ونجوم هوليوود، وكل من يخالفه الرأى.

(4)

فى كلمتها أمام الملايين التى تابعت حفل «الكرة الذهبية» (جولدن جلوب) صارحت ميريل ستريب الشعب الأمريكى والعالم كله بمخاوفها من ترامب، وعبرت عن قلقها كمواطنة أمريكية وممثلة من اعتداء الرئيس الجديد على الحريات وحقوق الضعفاء، وضربت مثلاً بالحاضرين فى القاعة، واعتبرتهم فى مقدمة الفئات التى يكرهها ترامب، لأنهم خليط من الأجانب والفنانين والصحفيين، وأوضحت أن «هوليوود» مثال مصغر لأمريكا، فقد قامت على المواهب القادمة من كل دول العالم، وتساءلت: ماذا سيحدث لو أصبحت أمريكا بلدا طاردا للغرباء كما يريد لها ترامب؟ وماذا سيكون حال هوليوود؟ ماذا سيشاهد الشعب الأمريكى غير لعبة كرة القدم الأمريكية العنيفة التى تفتقد الفنية؟

(5)

كانت ستريب غاضبة، وتحذر من المخاطر التى تهدد أمريكا فى ظل حكم رئيس جاء عبر صندوق الانتخابات، لكن الصندوق ليس كل شىء بدون احترام التقاليد والأخلاق وحياة الناس، لذلك تعمدت تجاهل ترامب إلى حد الإهانة، فلم تذكر اسمه واكتفت بوصفه «الشخص الذى يسعى للجلوس على المقعد الأكثر احترامًا فى البلاد»، وحذرت من نظرته للأجانب وللأقليات ومن تهجمه الدائم على الصحافة، وهو التخوف الذى ألمح إليه أيضا الممثل «البريطانى» هيو لورى، الحائز على جائزة أفضل ممثل تليفزيونى، فقال فى كلمته مازحا: ربما تكون هذه هى المرة الأخيرة التى أحصل فيها على الجائزة، لأن أمريكا بعد ذلك ستعادينا باعتبارنا «غرباء».

(6)

قالت ميريل ستريب ذلك فى مواجهة رئيس أكبر دولة فى العالم سمح لنفسه بالتعدى على حقوق صحفى معاق، بينما نحن فى مصر نتعدى على حقوق الآلاف، بل على حقوق رئيس أركان الجيش، وعلى حقوق نائب رئيس الجمهورية السابق، ونقبل بإذاعة تسريبات مسجلة بطرق غير قانونية، على شاشات وسيلة إعلام مرخصة قانونا من الدولة! صحيح أن هناك اعتراضات ذات طابع شعبى، لكن الأمور تمضى تحت سمع وبصر البرلمان والجهات القانونية والقضائية كأن شيئا لم يمس الدستور، ولا الحريات!!، ولا أملك فى الختام إلا أن أقول إن الشعوب يتم تسييسها ودفعها لانتزاع حقوقها، حين تشعر بأن حقوقها فى خطر، وأن من بيدهم إدارة البلاد لا يمنعون هذا الخطر، ومصر مثلها مثل أى مكان فى العالم، حين يحدث تهديد لحقوق المواطن يصبح الحديث فى السياسة ضرورة تدفعه للمعارضة الساخطة حتى لو على حساب رئيس البلاد المنتخب، كما فعلت الممثلة الأمريكية الشهيرة صاحبة جوائز الأوسكار الثلاث، والتى جعلت من كلمتها فى احتفالية فنية خطاب توبيخ للرئيس المنتخب، لتذكره بأول بند فى وثيقة الحقوق الأمريكية التى كتبها الآباء المؤسسون العظماء، والذى يحظر على الكونجرس تشريع أى قانون يؤدّى إلى تعطيل حرية الكلام أو النشر الصحفى، أما عندنا فالبرلمان ليس لديه أى مانع من تنفيذ كل ما يطلبه الرئيس، وهذه أكبر مخالفة للدستور.
 

التعليقات