مولانا خدش "رونق" الازهر !

سوف تمر حكاية  تكفير الشيخ سالم عبد الجليل للمسيحيين كما مرت من قبلها كل فتاوى ودعاوى التكفير والردة لمن يختلفون في بلادنا مع اي سلطة دينية أو سياسية !. وكما تمر أيضاً كل يوم أمامنا وسط صمت مخجل اتهامات العمالة والخيانة لكل صاحب رأي مختلف . سوف تضيع في الزحام كما تضيع كل مرة ، اتهامات التكفير وشيطنة كل من يختلف مع بائعي صكوك الغفران الجدد في دكان " عبد الجليل واخوانه "،سواء  في الازهر أو في منابر الفضائيات وآلاف المساجد التي يدعوا خطبائها ليل نهارعلى  كل صاحب عقيدة او مذهب آخر  بالعذاب وجهنم وبئس المصير .

 

وفي غياب الدستور والقانون الذي يحمي حرية العقيدة من توغل وبطش من اعطوا لانفسهم الحق الحصري للتوكيل الالهي ، سوف ينجو كل  رئيس جامعة للازهر يفتى بإرتداد اسلام بحيري أو غيره  ( ثم يعتذر )  ، وسوف يفلت عبد الجليل وأي شيخ غير جليل آخر يرمي بعدهما اي إنسان بالكفر والضلال  ( ثم يعتذر أو لايعتذر ) سيان ! ، سوابقنا في النسيان أو " الاستهبال" لاتحصى ، فعلها من قبل زغلول النجار صاحب " الاعجاز العلمي " عندما كفر المسيحيين على الشاشة ليتحول بعدها الى نجم تليفزيوني ، ومن قبلهم أهدر الشيخ محمد الغزالي دم فرج فوده وفرق عبد الصبور شاهين بين نصر حامد وزوجته واجبره على الهرب خارج البلاد ثم العودة والموت كمداً، وكفروا الشاعر المرحوم حلمي سالم بقصيدة " نافذة ليلي مراد " التي حطموها  على رأسه وأهانوا معه الشاعر الكبير احمد عبد المعطي حجازي ، ثم اصطادوا مؤخراً الشاعرة  فاطمة ناعوت بفخ ازدراء الاديان بسبب مقطوعة ادبية قرأها ١٠ أشخاص على فيس بوك  ، ليصدر بحقها حكما بالسجن الغيابي .
وهناك من أصحاب الفضيلة من يؤثر السلامة ويعتذر نفاقاً ومافي القلب في القلب عملاً " بالتقية " ، وهناك أجلاء آخرين أذكياء مقنعين ، محاطين  بهالة القداسة أو النفوذ والقرب من السلطة ، وهؤلاء وهابيون تكفيريون على رأسهم ريشه لا يمسهم احد رغم أنهم يكفرون طوب الارض طول الوقت  انطلاقاً من المرجعية نفسها ، كتب التراث والمفسرين الثقات الثوابت والاعمدة التي قام عليها فقه الاستبعاد والاقصاء لقرون .
إن الازمة في كل أزمة تكمن في رؤية الازهر وتفسيره لما يرى انه شطط أو وتجاوز من أحد  مشايخه ، والحل السهل الذي يرى فيه حفاظاً على شكله " ورونقه" هو ان يقيل الشيخ  أو يجبره على الاعتذار حتى تهدأ العاصفة ، ثم غالباً مايستبدله بآخر لايختلف عنه في المنهج .
أما الوجه الاخر للازمة فيكمن  في التناول والتعامل العام مع كل أزمة  ، فلا تنتفض الحكومة أو يغضب البرلمان زوداً عن قيم المواطنة ودولة القانون ، لا يرى أحد أن قلب البلد يحترق بنار فتنة وكراهية مكبوتة في الصدور ، لا ينتبه العقلاء إلى خطر وجودي  حقيقي يهدد كيان الأمة بسبب انفجار ماسورة التكفير والازدراء والبغضاء في السنوات الاخيرة . تخلت الحكومة عن مسئوليتها في حماية التماسك الوطني ، وتجاهل برلمان الشعب مايعانيه الشعب من مهاويس التدين الشكلي وتجار الفتاوى. واكتفى الجميع بالفرجة وانتظار الفرج بالمسكنات المؤقته ، أو بالاكتفاء بترديد المطالبات والامنيات بما يسمى " اصلاح الخطاب الديني " .
والغريب ان كل المطالبين بإصلاح الخطاب يطلبونه من رجال الازهر ، وفيهم من ليس من مصلحته على الاطلاق لا إصلاح ولا تعديل ولا تطوير للخطاب أو مناهجه  ، أولاً لأنها فكرهم الذي تربوا عليه ولا يعرفون غيره ،  وثانياً لأنها مصدر رزقهم ، فكيف يعترفون بفساد منهجهم ثم يقومون هم بتغييره بإرادتهم ؟! .. والسؤال هو ،  متى قام رجال دين في أي عصر بأي تحديث أو تغيير بمعزل عن تيار شامل للحداثة والتنوير ؟، ومتى قامت المؤسسة الدينية بتطوير نفسها وحدها بعيدا عن مشروع عصري للنهضة الثقافية والتعليمية والاجتماعية والفنيةً في البلاد ؟ . ان الازهر الوسطي المستنير المتسامح المنفتح الذي يحدثونا عنه كان موجوداً فقط في العصر الذي كانت فيه الأمة المصرية في قمة تألقها وحداثتها وانفتاحها على العالم بتياراته الفكرية والثقافية والسياسية ، الازهر كان مؤثرا في الحياة المصرية ومواكبا للتطور الاجتماعي عندما كان رائدا في العالم الاسلامي بعلومه وبمدرسته الفقهية المستقلة وغير التابعة للتيار الصحراوي المتشدد والمتأثر بإبن عبد الوهاب وابن باز والعثيمين  . ان مصر لاتحتاج لاصلاح للخطاب الديني الذي لا يمكن أن ينصلح وحده ، و الاصلاح الديني الذي عاشته  أوربا في القرن الثامن  عشر استغرق عشرات السنين وشهد صراعات مذهبية  وحروباً دامية ، ومانحتاجه في بلادنا هو مشروع النهضة المؤجل والمعطل منذ أكثر من نصف قرن ، والبداية يجب ان تكون فوراً بإصلاح التعليم وإعادة الاعتبار والاحترام لقوة مصر الناعمة ، الثقافة والكتاب والفنون ، السينما والموسيقى والمسرح ، ان قوة مصر العظمى في تاريخها وحضارتها وفي اسهاماتها البارزة في الحضارة الانسانية ، وعندما كانت مصر تعيش هذا المد والمجد المعرفي الحضاري ، كان الازهر عظيماً وإسلامه الذي يقدمه للعالم سمحاً وجميلاً . إن المطلوب  أولا هو  " تغيير الخطاب الثقافي " تغيير مناهج بل نسف التعليم المصري واعادة بناءه وبناء القائمين عليه من مدرسين ومسئولين على اسس حديثة وعصرية . مصر تحتاج الان اكثر من أي وقت في تاريخها لتغيير " الخطاب الجاهلي " ، قطع التمويل النفطي عن المجتمع المصري ، عن الازهر وعن بعض كبار القائمين عليه ، والقيام بمراجعة شاملة لدولة التعليم الازهري ، وهل مصر في حاجة لهذا الكم الهائل من التعليم الديني ؟.
إن مصر لم تشهد في تاريخها هذه الحالة المرعبة  من التوتر الديني الذي بلغ حد الهوس والتكفير والاقصاء بل والزج بأصحاب الاجتهاد في السجون ، لم نشهدها بهذه الوتيرة المتصاعدة الا بعد ان طلب رئيس الدولة وألح على الازهر ان يصلح خطابه ورجاله ، الذين كان آخرهم وليس أخيرهم الشيخ سالم عبد الجليل الذي كفر المسيحيين ثم إعتذر - فقط عن الخطأ  - حفاظاً على الرونق ، وليس عن الخطيئة المتكررة ، التي لن يردعها إلا ارادة دولة صاحبة رؤية ، ونظام يملك مشروعاً لانقاذ العقل المصري والهوية الوطنية .
التعليقات