تصحيح مسار الصحافة والإعلام

فى الأسبوع الماضى قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وقف بث أربعة برامج تليفزيونية لمدة شهر لكل منها، بتهمة مخالفتها ميثاق الشرف الإعلامى، مع إنذار القنوات التى تبثها بسحب الترخيص إذا كررت المخالفة.. والبرامج هى «صح النوم» على قناة «إل. تى. سى» و«دودى شو» على قناة «النهار» و«انفراد» على قناة «العاصمة» و«3 فى 1» على قناة «أون. تى. فى»، وتتراوح المخالفات التى نسبت إليها بين توجيه اتهامات مرسلة بالفساد إلى مسؤولين حاليين وسابقين فى وزارة الزراعة، من دون أدلة، وبين استضافة من يروجون لسلوكيات غير أخلاقية تتصل بعلاقة الرجل بالمرأة، وتبادل ضيوف أحد البرامج سباباً، وصل إلى الحد الذى رفع فيه أحدهم حذاءه فى وجه الآخر.

ومع أن الوقائع التى نسبت إلى البرامج الأربعة، هى نفسها التى نظرتها نقابة الإعلاميين، فقد اختلف تقدير النقابة عن تقدير المجلس، فقررت، فى الأسبوع نفسه، تغليظ العقوبات على اثنين من أعضائها يقدمان هذه البرامج، من الوقف لمدة شهر بالنسبة للبرنامج إلى الوقف لمدة ثلاثة أشهر بالنسبة لمقدمتى البرامج «ريهام سعيد» و«دعاء صلاح»، بينما قررت تخفيف العقوبة بالنسبة للاثنين الآخرين - وهما «محمد الغيطى» و«د. سعيد حساسين» من وقف البرنامج لمدة شهر، إلى مجرد إنذار مقدمه!

صحيح أن قانون النقابة ينيط بها وحدها مهمة مساءلة أعصائها فى حالة مخالفة أحدهم بنداً من بنود ميثاق الشرف الإعلامى، وأن قانون التنظيم المؤسسى للصحافة والإعلام ينيط بالمجلس الأعلى مهمة مساءلة القنوات التى يعملون بها، إلا أن توقيع عقوبة مزدوجة على الوقائع نفسها، أمر لا يجيزه أى قانون أو دستور، ووقف مقدم البرنامج لمدة ثلاثة شهور، لا معنى له إلا وقف البرنامج نفسه خلال هذه المدة، على الرغم من أن العقوبة التى قضت عليه بها الجهة المختصة وهى المجلس الأعلى - هى وقفه لمدة شهر واحد فقط، واكتفاء النقابة بتوقيع عقوبة الإنذار على مقدمى برنامجى «صح النوم» و«انفراد» لن يغير حقيقة أن المجلس الأعلى، قرر وقف البرنامجين - وبالتالى وقف مقدميهما - لمدة شهر.

ما لم يتنبه إليه المجلس الأعلى، هو أن المشرع منحه سلطة توقيع العقوبات على المؤسسات الإعلامية، لكى تكون هذه العقوبات حافزاً لها على إلزام العاملين بها، بالمواثيق المهنية، عبر آلية للمحاسبة الداخلية، تحول بينهم وبين الشطط إذا تكرر الوقوع فى هذه الأخطاء، أما ما لم يتنبه إليه مجلس إدارة نقابة الإعلاميين القائم، فهو أنه مجلس مؤقت، تقتصر مهمته على إنشاء جدول النقابة، وأن المساءلة التأديبية فى النقابات المهنية، ينبغى أن تمارس فى إطار الضمانات التى ينظمها القانون، ومن بينها حقهم فى الدفاع عن أنفسهم، وحقهم فى استئناف الأحكام التى تصدر بتوقيع عقوبات عليهم، وما لم يتنبه إليه الطرفان، هو أن مهمتهما الرئيسية لا تقتصر فقط، على إلزام الإعلاميين بواجباتهم - بما فى ذلك احترامهم مدونات السلوك المهنية، ولكن كذلك، الدفاع عن حقوقهم المادية والأدبية، وفى مقدمتها حقهم فى حرية الرأى والتعبير والاستقلال.

المشكلة التى يعانى منها الإعلام المصرى الآن، تكمن فى الأوضاع القانونية المؤقتة والمختلة التى تنظمه، بعد أن أصرت الحكومة - من باب تصحيح المسار - على تقسيم مشروع قانون الإعلام الموحد الذى أعدته اللجنة الوطنية للتشريعات إلى أقسام، صدر الأول منها، وهو «قانون التنظيم المؤسسى»، وتشكلت بمقتضاه المجالس الثلاثة التى تدير شؤون الإعلام، بينما لا يزال القسم الثانى وهو قانون «تنظيم الصحافة والإعلام» مودعاً فى ثلاجة مجلس النواب، على الرغم من موافقة الحكومة عليه، ومن وعد المجلس بأن يصدره فى الدورة البرلمانية التى انتهت، ومن إدراك الجميع أن عدم صدوره، لا معنى له، إلا أن يظل الوضع على ما كان عليه قبل الاستفتاء على دستور 2014، وأن تظل القوانين السابقة قائمة على ما هى عليه، وأن تعجز المجالس الثلاثة عن القيام بمهامها.

وكان منطقياً أن ترتبك هذه المجالس، فلا تجد حلاً لتقنين أوضاع الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية، إلا محاولة البحث عن الجهة التى أصدرت قرار إغلاقها، وأن تشغل وقت فراغها بإعداد مشروع لحرية تداول المعلومات، وبالإعلان عن أنها ستصدر قراراً يقضى بفرض غرامة 200 ألف جنيه، على كل وسيلة إعلامية تذيع لفظاً مسيئاً.

فإذا كررت المخالفة أغلقت.. من دون أن تتنبه إلى أن الغرامة عقوبة لا تفرض إلا بقانون ولا تصدر إلا عن محكمة، أو تتذكر أن الدستور لا يجيز إغلاق الصحف أو وسائل الإعلام، أو تسعى لإخراج مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام وقانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية فى جرائم النشر من ثلاجة وزارتى العدل والنواب، لأن تصحيح المسار فى تصورها، لابد أن يبدأ بتأديب الصحفيين والإعلاميين، من دون إجراءات أو ضمانات ومن دون احم.. ولا دستور!

التعليقات