الذى لا يليق بمجلس نيابى فى بلد ديمقراطى

آخر تداعيات الضجيج الذى أحدثته ثرثرات د. يوسف زيدان التليفزيونية الفارغة بشأن وطنية الزعيم أحمد عرابى، هو إعلان حضرة النائب المحترم عمر حمروش، أمين سر اللجنة الدينية بمجلس النواب، أنه سوف يقدم - خلال أيام قليلة - مشروع قانون بتعديل قانون العقوبات، بحيث يضيف إلى مواد التأثيم الواردة به جريمة تشويه الرموز الدينية والشخصيات الوطنية التى لعبت دوراً فى تاريخ مصر، وهى رموز تشمل - فضلاً عن رجال الدين والفكر - قيادات الدولة، انطلاقاً من أن الإساءة إليهم تطول الوطن بأكمله، وتخل بالأمن القومى، الذى لا يمكن حمايته دون الحفاظ على التاريخ ورموزه، ودون توقيع عقوبة رادعة على من يتعمد - أو يكرر - ارتكاب جريمة تشويه هذه الرموز، تجمع بين السجن والغرامة معاً!!

من الناحية القانونية فإن إصدار مثل هذا القانون هو تحصيل حاصل، وتكرار لا مبرر له، إذ إن قانون العقوبات المصرى، منذ صدوره عام 1883، به بالفعل مواد تعاقب على ما يسميه النائب المحترم جريمة التشويه، سواء كان الذى يرتكب هذا التشويه أستاذاً جامعياً متخصصاً فى التاريخ وفى الثرثرة واسمه يوسف زيدان، أو كان متخصصاً فى الفشر والفتونة، ويحمل اسم الأسطى عمارة من درب شكمبه، كما يقول عمنا صلاح جاهين.

ويعاقب مرتكب جريمة «التشويه» - التى يسميها القانون بـ«القذف» بغرامة تتراوح ما بين 5 و15 ألف جنيه، فإذا كان المجنى عليه باشا مثل الزعيم أحمد عرابى، ممن يسميهم القانون بالموظفين العموميين أو الأشخاص ذوى الصفة النيابية العامة أو المكلفين بخدمة عامة، يجوز للقاضى أن يعفو عن الجانى، حتى لو كان اسمه د. يوسف زيدان، إذا أثبت أن الجريمة قد وقعت بسبب وظيفة المجنى عليه، وأثبت - كذلك - حقيقة كل فعل أسنده إلى هذا المجنى عليه الذى هو أحمد عرابى باشا ذات نفسه.

لا يوجد إذن ما يدعو حضرة النائب المحترم عمر حمروش لأن يتعب نفسه، ويتقدم بمشروع قانون بتعديل قانون العقوبات لأن ما فى القانون من العقوبات، وما فى مصر من القوانين تكفى وتزيد وتفيض وتبيض والدفاتر - كما أنت راسى - دفاترنا، ولجنة الإعلام والثقافة والسياحة بمجلس سيد قراره رهن إشارتنا، والأغلبية فى ائتلاف دعم مصر من جماعتنا.. لكن المشكلة لا تكمن فى القانون، ولكنها تكمن فى علم التاريخ وفى المؤرخين، وما قاله د. يوسف زيدان فى حلقته التليفزيونية هو مجرد ثرثرات لم تأت من فراغ، أو تنطوى على أى اكتشاف جديد بل هو مجرد كلام ابن عم حديث، لم يكن هو أول من أذاعه ولن يكون الأخير، سواء تعلق الأمر بما نسبه للسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبى، أو ما نقله عن أعداء أحمد عرابى وزير الجهادية فى عهد الخديو توفيق.

ولو أن د. يوسف زيدان كان يبحث عن الحقيقة وليس عن ضجة يثير فيها الضجيج حول نفسه، لما تجاهل أن الثورة العرابية واحدة من أكثر ظواهر التاريخ المصرى المعاصر إثارة للجدل وللخلاف بين المؤرخين، على الرغم من أن كل وثائقها قد نُشرت، ومن أن معظم الذين قاموا بأدوار مهمة على مسرحها كتبوا مذكراتهم، وأن معسكر أعداء الثورة الذى أتيح لكثيرين منهم أن يكونوا مؤرخيها بعد ذلك، كان يضم خليفة المسلمين السلطان عبدالحميد، وخديو مصر محمد توفيق، وفرديناند ديلسيبس، والتحالف الأوروبى الذى اتخذ قرار الغزو، والقوى الاجتماعية المصرية التى انفضت عن معسكر الثورة وانضمت إلى معسكر أعدائها فى اللحظات الحاسمة، بل والجناح المعتدل داخل معسكر الثورة نفسه.

لو أن د. يوسف زيدان تنبه إلى الحقيقة التاريخية لتوقف أمام الظاهرة التى تقول إنه لا يوجد من بين زعماء الحركة الوطنية المصرية واحد لم يتهم بمثل ما اتهم به أحمد عرابى، وإن بعض ما قيل عنه، بما فى ذلك ما قاله زيدان نفسه، هو نفسه الذى قيل قبل ذلك، عن محمد كريم وعمر مكرم وآخرين من قادة المقاومة التى تصدت للغزو الفرنسى، وقيل بعد ذلك عن قيادة ثورة 1919، وعن قيادة ثورة 23 يوليو 1952، ولايزال بعض منه يقال حتى اليوم عن زعماء بقامة مصطفى كامل ومحمد فريد ومصطفى النحاس وجمال عبدالناصر.

ولو أن النائب المحترم عمر حمروش فكر فى أسماء قيادات الدولة، التى ستتضمنها قائمة الرموز الوطنية التى ينبغى تحصينها ضد النقد بمقتضى القانون الذى ينوى التقدم بمشروعه، لكفى على الخبر ماجوراً، ولكف هو وغيره من النواب عن مثل هذه الأفكار التى لا يليق أن تصدر عن مجلس نيابى فى وطن ديمقراطى.

التعليقات