مولانا

في مسرحيته الثالثة، بعد عدة دواوين شعر ورواية وكتب في النقد الأدبي وأدب الرحلات، راح الكاتب وليد علاء الدين يرسم لنا عالما متخيلا عن أناس انقطعت بهم السبل أو دخلوا إلى متاهة، حين استيقظوا فوجدوا أنفسهم في مكان غريب، ظنوه الآخرة، فراحوا يثرثرون عن ساعة الحساب التي اقتربت، وكبير الزبانية الذي ينتظرهم ليلقي بهم في قعر جهنم، فإذا بهم يجدون أنفسهم في مكان آخر يشهد صراعا ضاريا على "كرسي السلطة" الذي اختلت قوائمه، ولم يجد الحاكم من سبيل كي يقيمه أو يعيده إلى هيئته الأولى سوى عظام بعض رعيته.

 تظن وأنت تقرأ الجزء الأول من هذه المسرحية، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أنك أمام عمل يأخذ طرفا من الأعمال الأدبية الخالدة التي تصورت ما يجري في الآخرة أو تخيلته أو أضفت عليه طابعا فكاهيا مثل "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، و"الكوميديا الإلهية" لدانتي، لكنك تكتشف في الجزء الثاني منها أنك أمام عالم أرضي يجري فيه صراع على السلطة، ويستخدم فيه كل طرف ما أمكنه من حيل أو جبروت في سبيل حيازتها.

 لكن الكاتب يُبقي التأويل مفتوحا على نوع هذه السلطة، وهل هي في الدنيا أو الآخرة، وإن كان سحب ما يجرى على واقع الناس في الحياة، يبدو هو التأويل الأقرب.

 أبطال المسرحية أديب، يتحدث عن دور الخيال في الحياة، ومحامي يكشف أشكال التلاعب بالقانون، وسبل إفساد العدالة، ورجل قوي كان مصارعا جبارا خلال عمله بالجيش، ويتشاكس الثلاثة عمن فيهم بوسعه أن يصير الذي بيده الأمر، ويبدأ كل منهم يقدم حججه أو أوراق اعتماده، لكنهم يخفقون في حسم خلافهم حول من يصلح منهم للحكم، فيحتكمون إلى شخص يعمل مهرجا يظهر فجأة على خشبة المسرح، بلباسه الغريب وسحنته اللافتة، لكنه يحيلهم إلى طرطوره بعد أن يخلعه من فوق رأسه، ويوقفه على زره المدبب طالبا منه أن يحكم بينهم، بما جعل الأديب يصرخ فيه: "أما أنت صحيح رجل مخبول" فيرد عليه المهرج: "وهل يزن الأمور سوى الطرطور"، ثم يقول لهم جميعا: "ليس لكم إلا الطرطور. لأن الحكم بالعقل يدور. والسلطة تؤدي إلى القبور، لذا لا خوف من الطرطور"، ثم يروح يحدثهم عن "الدولة الطرطورية"، وهي طريقة مسجوعة ترد أحيانا بشكل استثنائي في المسرحية كلها.

وما إن ينتهي الخلاف الحاد بينهم على وجود الحاكم الرشيد لصالح الرجل صاحب الجسد القوي، فيسرع إليه المهرج ويضع الطرطور على رأسه، وكأنه تاج الإمارة صارخا "عاش الطرطور" حتى يظهر على المسرح منادي يطلب من "الشعب الافتراضي" أن يجتمع للتشاور مع الحاكم الفعلي أو "مولانا المقدم" حول سبل جبر كرسي عرشه المكسور. فيأتي الناس ويحتشدون وينحنون أمام الحاكم، مسلمين له أمرهم تماما، فلا يجد حلا سوى كسر عظام البعض منهم، وهم من يختارهم بطريقة عشوائية، كي يثبت دعائم كرسيه، بينما يهتف بعض الناس حوله: "أعناقنا تبني لك عرشا"، و"مؤامرة خارجية يا قائد مسيرة الأموات"، و"من أكفنا ننسج لك مقعدا وسريرا لراحة فخامتكم"، ويرضى كل هؤلاء في البداية بتفسير الحاكم للديمقراطية على هواه، وتفصيلها على مقاس مصلحته، وهو ما يعبر عنه أحد الجنود قائلا: "هو الممثل الوحيد للديمقراطية، وأي شيء ضده يبقى ضدها، وأي شيء ضدها يبقى ضده".

 ولما يرى المحامي هذا المشهد المهيب، يبدأ في التزلف إلى الحاكم، حتى أنه صار سيافه بعد أن تمرد عليه السياف، بينما يبدأ الأديب يتحدث في الناس من أجل أن يثوروا شارحا لهم أن العقل والقوة والوجود سر الحياة، وهو ما يرد عليه المحامي واصفا من يلهب الأديب حماسهم بأنهم "عناصر مريضة، أورام خبيثة في جسد الرعية"، ويصفهم في موضع آخر بأنهم "عناصر هدامة"، ويُبدي في الوقت ذاته رغبة عارمة في أن يجز رأس الأديب لكن الحاكم يكتفي بثلاثة قرارات، ضد الأديب بعد أن يصفه بأنه "صديق قديم"، أولها أن "أمر الجنود أن يحبسوا بنات أفكار الأديب" وثانيها تعيين مراقبين دائمين له على مدار اليوم لضمان ألا ينطق اسم الحاكم من غير كلمة "مولاي"، وثالثها ألا يمشي ورأسه مرفوع.

وتنتهي المسرحية بصوت مذيع داخلي يقول بعد إظلام المسرح مباشرة: "السادة الأموات في الصالة نرجو التوجه إلى الرحلة رقم... مش مهم الرقم، المهم التحرك نحو المصير، وعلى السادة الأموات الجدد التزام أماكنهم في صالة الترانزيت... مطار الجمهورية الطرطورية يتمنى لكن ترانزيتا هادئا". استخدم وليد علاء الدين في مسرحيته تلك لغة عامية محكية بسيطة، واستعان بأمثال يضربها المتحاورون في مواقف عدة، وصنع عالما غريبا، لا يخلو من إسقاط مفعم بالسخرية من واقع يكابد منه الناس، ويدور كل هذا في أجواء فانتازية تلامس الحياة الحقيقية، فيرمي الخيال في مجري الواقع الفج كثيرا من المعاني، ويغذي هذا الواقع خيالا يلهث وراء التورية بكل ما تحمل من تخفي وتحايل ومواربة.  

التعليقات