العقد الذى يوقع عليه الرئيس.. ويوقع عليه الشعب

آخر أنباء الحملات الشعبية التى تجمع توقيعات على استمارات يدعو الموقعون عليها من المواطنين الرئيس عبدالفتاح السيسى لترشيح نفسه لدورة رئاسية ثانية وأخيرة، تقول إن جملة «علشان تبنيها» قد جمعت 65 ألف توقيع من محافظتى السويس ودمياط، و6 آلاف من محافظة الوادى الجديد، كما قامت بإرسال 15 ألف استمارة لتوزيعها على العاملين بإدارة وسط الإسكندرية التعليمية.. أما حملة «كلنا معاك.. من أجل مصر»، فقد بلغ عدد التوقيعات التى جمعتها من محافظة الشرقية 400 ألف توقيع خلال أسبوعين، فضلاً عن 2500 توقيع جمعتها خلال يوم واحد من العاملين بإدارة طامية التعليمية بالفيوم.

ولا تناقض هناك بين تأكيد منسقى هذه الحملات ومنظميها، بأنها مبادرات شعبية خالصة، نبعت من المواطنين أنفسهم، وبين استعانة الأحزاب والهيئات والشخصيات التى تدعو إليها بالمسؤولين عن وحدات الجهاز الإدارى بالدولة فى توزيع الاستمارات وجمعها، طالما أنه لم يتبين - حتى الآن - أن المواطنين الذين يحررون هذه الاستمارات، قد تعرضوا لضغوط لكى يعبروا عن آراء تخالف آراءهم.. وفى كل الأحوال فإن من مصلحة الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه أن يستكشف اتجاهات الرأى العام الحقيقية تجاه ترشيحه نفسه لفترة رئاسة ثانية، حتى يتأكد - قبل إقدامه على هذه الخطوة - أنه سيجده خلفه، خلال السنوات الأربع المقبلة، من يقف خلفه، ويدعم سياساته.

والمشكلة التى يواجهها السيسى فى رئاسته الثانية أنه يتقدم لناخبيه وهو يكاد يكون خالى اليدين من أى مغريات تدعوهم لانتخابه، أو للصبر على الخطوات الصعبة التى وجد نفسه مضطراً لاتخاذها خلال رئاسته الأولى، حتى تبدأ هذه الخطوات فى طرح ثمارها الإيجابية.

صحيح أن السيسى لايزال يحوز ثقة أغلبية المصريين فى وطنيته وشجاعته وحسن نواياه، وفى نزاهته وتجرده، إلا أنه من الصعب - بل يكاد يكون من المستحيل - التسليم بأن الفقراء ومعدومى الدخل منهم لايزال لديهم قدر من الصبر يكفى لتحمل أعباء ما يتطلبه إصلاح أحوال مصر المعوجة منذ زمن طويل.

أما المؤكد فهو أنه لايزال لدى المصريين رصيد من المعجزات التاريخية، التى مكنتهم من تحمل ظروف أصعب بكثير من الظروف التى تواجهها بلادهم هذه الأيام، خاصة أن الحد الأدنى من شروط الحاكم الصالح - ومنها أن يكون نظيف اليد قوى الإرادة عادلاً- تتوفر لدى السيسى، مما يفتح باب التفاؤل على مصراعيه، بأن باستطاعة مصر أن تتجاوز الظروف الصعبة التى تواجهها الآن، وأن تنطلق إلى مستقبل أفضل أكثر رخاءً وأكثر سعادة.

ومن مصلحة السيسى إذن، ومن واجبه كذلك، أن يسعى بكل طاقته للاستفادة بشكل صحى وصحيح من نتائج المبادرات الشعبية الخالصة، التى أطلقها بعض أنصاره، وأن يستوعب بعمق العوامل الخفية التى تدعو شعبه للثقة به، على الرغم من تواضع ما يعده به من آمال على المدى القريب.. ولو أنه فعل لأدرك أن ثقة الشعب به لم تتولد من فراغ، ولكن من يقين هذا الشعب بأنه يستطيع أن يبدأ معه خطوات فى الطريق إلى مستقبل جديد لهذا البلد، نحقق ما لايزال مقيداً فى جدول أعمال التاريخ من أحلامها، وعلى رأسها أن تتحول إلى دولة مدنية عصرية ديمقراطية.

ما لا يجب أن يفوت على ذكاء السيسى هو أن جماهير المصريين منحته أصواتها فى الفترة الرئاسية الأولى، من دون أن تنتظر منه برنامجاً وتسأله عن طبيعة السياسة التى سوف يتبعها، تقديراً لما كشف عنه من شجاعة ولما أبداه من استعداد، لكى يقف حيث يقف الشعب.. وتقديراً من هذا الشعب بأن من حق الرئيس الجديد عليه أن يمنحه الفرصة الكافية، لكى يتعرف على طبيعة المشكلات التى ورثها عن أسلافه، ولكى يرسم الخطط التى تمكنه من التغلب عليها.

أما وقد أتيحت للرئيس السيسى الفرصة، خلال فترة رئاسته الأولى، لكى يكتشف الحقائق المذهلة التى أذاع بعضها، ومن بينها أن مصر نصف دولة، وأنها ورثت مصاعب هائلة ترتبت على سياسة المسكنات، والحلول المؤقتة والجزئية، والاعتماد على الزمن فى حل المشكلات، وفى علاج العيوب الخلقية التى ولد بها النظام السياسى المصرى، فإن المبادرة التى يتوجب على الشعب المصرى أن يقوم بها تجاه السيسى، لا يجوز أن تختصر فى أن يوقع المصريون على عريضة يطالبونه فيها بأن يرشح نفسه رئيساً لهم لفترة ثانية وأخيرة.. ولكن فى أن يتقدم إليهم - هذه المرة - ببرنامج واضح ومفصل لما ينوى أن يقوم به خلال الفترة الثانية والأخيرة من رئاسته، لكى يحقق مالايزال مقيداً فى جدول أعمال التاريخ من أحلام هذا البلد.

باختصار ووضوح: الشعب يريد - يا سيادة الرئيس - أن يوقع معك عقداً اجتماعياً، يكلفك بمقتضاه أن تكون رئيساً له لمدة أربع سنوات أخرى، وتتعهد بموجبه أن تقيم أعمدة بناء مصر كدولة عصرية مدنية ديمقراطية.

التعليقات