أسئلة ما بعد الإدانة

لم يتخلف أحدٌ في هذا العالم عن إدانة ما جرى في «مسجد الروضة» الأسبوع الماضي، أيا من كان من قام به، وأيا ما كانت دوافعه، وأيا من كان المحرض. إذ أنه من قبيل تلك الجرائم التي يكفي أن تكون إنسانا، لا أكثر لتقف منها موقف الإدانة بلا قيد أو شرط أو مواربة.

ولكن متى كانت الإدانة وحدها كافية؟ ومتى كان إعلان الحداد، والتصريحات «الغاشمة» كفيلا بضمان ألا تتكرر المأساة .. والألم؟ 

ـــــــــــــ

يكفي أن تكون «إنسانا» وحسب لتدين ما جرى في «مسجد الروضة»؛ القرية السيناوية الصغيرة، التي لم تترك فيها الجريمة بيتا، إلا وفيه مأتما للعزاء. ولكن يكفي أيضا أن تكون «عاقلا»، لتدرك أن الإدانة؛ وهي مطلوبة بلا شك غير كافية. وأن عليك أن تنظر جيدا فيما جرى. وأن تسأل ما يلزم من أسئلة.

بداية، ولأسباب تعود إلى ندرة المعلومات، وغياب معتاد للشفافية، وعدم وجود تقارير «وافية ومستقلة» عن ما يجري في سيناء، التي ظلت لسنوات طويلة، وخاصة في السنوات الأربع الماضية «منطقة شبه عسكرية»، فلن ندعي؛ نحن معشر المراقبين أو الصحفيين أو الباحثين، أو حتى المواطنين (أصحاب هذا البلد) أننا نملك إجابات تساعد صاحب القرار، كما هو الحال في الدول المتقدمة التي تعرف كيف أن من الطبيعي، بل ومن الواجب أن تكون قضاياها المصيرية مطروحة للنقاش العام «الحر». وليس لهرتلة «فضائية» يغلب عليها «إرهاب الصوت الواحد»، وتريد أن تفهمنا أن استشهاد ما يزيد عن الثلاث مائة مدني مسالم في ساعة واحدة هو دليل على نجاح جهود الدولة في مكافحة الإرهاب.

لا نملك إجابات، كما لا نملك من «الحقائق المستقلة» ما يكفي لأن نبحث فيها عن الإجابات. بالمناسبة زميلنا إسماعيل الإسكندراني الباحث الشاب الذي حاول أن يفهم «حقيقة» ما يجري في سيناء محبوس احتياطيا (له عامان كاملان دون أن يقدم للمحاكمة).

ولأن التفكير العلمي «الموضوعي» يقضي بأن القفز إلى إجابات «قاطعة» دون توافر بيانات «وحقائق» كافية هو من باب التنجيم «وضرب الودع»، فليس لنا أبدا أن نخدع القارئ بما قد يجول في أذهاننا مما لم تقطع به معلومة أو حقيقة ثابتة.

لا نملك إجابات.. نعم. ولكننا نملك «أسئلة». وأزعم أن من حقنا، أو بالأحرى من واجبنا أن نسأل.

***

(١)

السؤال الرئيس:  أليس علينا بعد كل ذلك، أن يتسع صدرنا، فنعيد النظر في الأمر برمته، وفي سياقاته السياسية والأمنية والمجتمعية؟
في ٢٦ يوليو ٢٠١٣، كان طلب الفريق أول عبدالفتاح السيسي «تفويضا» لمحاربة الإرهاب «المحتمل» فخرج المصريون إلى الشوارع لمنحه التفويض. الذي سرعان ما صار، بحكم طبائع الأمور، وطبيعة ثقافة الحكم في بلداننا «تفويضا مفتوحا ومطلقا».

في ٢٣ سبتمبر ٢٠١٣ خرجت علينا الأهرام (الرسمية) بمانشيت يقول بأن: «مصر خالية من الإرهاب خلال أيام»

سبتمبر ٢٠١٣: الفريق مميش على قناة النهار: قريبا جدا سيتم الإعلان عن القضاء على الإرهاب في سيناء.

٧ نوفمبر ٢٠١٣: الجيش يعلن سيناء منطقة خالية من الإرهاب قريبا (جريدة الوطن).

٣٠ يناير ٢٠١٥: الرئيس يقرر تشكيل «قيادة عسكرية موحدة شرق القناة لمكافحة الإرهاب»، يرأسها الفريق أسامة عسكر.

أكتوبر ٢٠١٤: إعلان حالة الطوارئ في سيناء.

١٠ أبريل ٢٠١٧: إعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد. ثم مدها للمرة الثالثة في ١٣ أكتوبر ٢٠١٧، بالتحايل قانونا على القيد الدستوري الذي لا يسمح بمدها لأكثر من مدتين (المادة ١٥٤).

٢٦ يوليو ٢٠١٧: قرار من رئيس الجمهورية بتشكيل «المجلس القومي لمواجهة الإرهاب والتطرف» .

هذه هي البيانات المتوافرة، عدا بيانات شبه يومية «بتصفية» عدد من الإرهابيين، أو الإرهابيين «المحتملين». وأحكام عسكرية بالإعدام. ثم كان أن صحونا قبل عشرة أيام بما لم نجربه من قبل جريمة إرهابية هي الأكبر تودي بحياة المئات .. (ربما كان مفيدا أيضا لذوي الشأن مراجعة إحصاءات العمليات الإرهابية وضحاياها من مدنيين وعسكريين أبرياء، وكذا أعداد من تم تصفيتهم من إرهابيين، أو إرهاببين «محتملين» خلال السنوات الأربع. وهي إحصاءات قد تعوزها الدقة التي تسمح لنا بإيرادها هنا)

السؤال (مجرد سؤال): هل علينا بعد كل ذلك، أن نعيد النظر في الأمر برمته، وفي سياقاته السياسية والأمنية والاجتماعية؟ وأن يتسع صدرنا لأصحاب رأي آخر من باحثين «ومدنيين» هم شركاء في هذا الوطن، وفي همومه؟

السؤال (الذي طرحناه هنا غير مرة): هل هناك من يدرك أن للسلاح حدودا، خصوصا في مناطق شاسعة ووعرة وصعبة مثل سيناء، حيث تتداخل قسوة الجغرافيا والثقافات المتوارثة، مع إهمال رسمي وتقصير أمني «واستخباراتي» لعقود؟ هل تركت السياسة مكانها «كاملا» للسلاح، رغم درس كلاوزفيتز Carl von Clausewitz الأول: «أن الحرب ما هي إلا ممارسة للسياسة بطرق أخرى»؟

هل هناك من ينتبه إلى خطورة أن تصنع عدوًّا دون أن تدري؟

السؤال (مجرد سؤال): هل هناك من يذكر ما نشر في فبراير ٢٠١٧ (والعهدة على الراوي) عن تهديد قبائل بمدينة العريش بالعصيان المدني احتجاجا على بيان للداخلية أعلن عن تصفية عشرة عناصر «إرهابية» في مواجهة مع القوات (كما يقول البيان الرسمي)، في حين يقول أهل القبائل في اجتماعهم المشار إليه (كما نقلت الأخبار) أن بعضا من «أبنائهم» الذين وردت أسماؤهم في البيان الرسمي كانوا معتقلين أصلا لدى السلطات. هل هناك من يذكر الواقعة، أو قرأ عنها مثلما قرأنا؟ وهل بعد مثل تلك واقعة (رغم نجاحنا بحمد الله في احتوائها)، يصبح الحديث عن اعتماد القوة «الغاشمة» وسيلة لمكافحة الإرهاب مدعاة للاطمئنان؟

قلنا أننا نعرف، كما يعرف الجراحون أن المشرط إن تجاوز فقد يؤدي إلى وفاة المريض الذي مهمتهم إنقاذه، فهل يدرك حاملو السلاح «دفاعا عن الدولة» أن القاعدة ذاتها تنطبق عليهم؟

أذكر أنني كنت قد طرحت مثل هذا «السؤال» ومخاوف إجابته مبكرا جدا (أبريل ٢٠١٤) على فضائية «المحور»، عندما كان مازال متاحا طرح مثل هذا السؤال، ومثل هذا النقاش على فضائية مصرية.

***

(٢)

ماذا جرى في المسافة بين «منظمة سيناء العربية» التي تعمل مع الجيش المصري (١٩٦٨)، وبين «جماعة أنصار بيت المقدس» التي استهدفت الجنود المصريين (٢٠١٤)؟
السؤال الثاني: هل من الحكمة أن نسمع، من هذا أو ذاك كلاما مبطنا يتهم أبناء سيناء بما ليس فيهم؟ ألا يتذكر هؤلاء بطولات «منظمة سيناء العربية»؛ تنظيما فدائيا يذود عن حدودنا الشرقية ويوجع العدو المحتل؟ والأهم أليس من الحكمة أن نسأل أنفسنا عن ما جرى في المسافة بين «منظمة سيناء العربية» التي تعمل مع الجيش المصري (١٩٦٨)، وبين «جماعة أنصار بيت المقدس» التي تستهدف الجنود المصريين (٢٠١٤)؟

لمن نسي، ففي أعقاب هزيمة ١٩٦٧، أنشأ الجيش المصري مجموعة صغيرة من الضباط المعروفين بكفاءتهم العالية، سميت «مجموعة ٣٩ قتال»، لتعمل في سيناء خلف خطوط العدو، تحت قيادة الشهيد ابراهيم الرفاعي الذي نجح بالتعاون مع «منظمة سيناء العربية» التي تضم عددا من بدو سيناء، وفدائيين من مدنيي مدن القناة بالقيام بعمليات ناجحة كان أبرزها عملية التمساح الأولى (١٩٦٩) ردا على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض.

ما هي المتغيرات السياسية، والإقليمية، والاجتماعية التي جرت وجعلتنا نصحو ذات يوم (أكتوبر ٢٠٠٤) على جريمة إرهابية تطال السائحين في طابا، رغم ما نعرفه من أن سيناء خاضعة منذ اليوم الأول لسيطرة أمنية عسكرية من المفترض أنها محكمة أمنيا واستخبارتيا.

ماذا جرى لمصر، ولسيناء في السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات من القرن الماضي؟ وماذا جرى في سيناء التي من المفترض أنها منذ عودتها وهي تحت سيطرة أمنية عسكرية، واستخباراتية كاملة؟

ثم أليس علينا أن نستمع جيدا إلى ما قاله الشيخ نعيم جبر منسق عام قبائل شمال سيناء لتلفزيون الـ BBC قبل أيام من شكاوى للمواطنين السيناويين العاديين، الذين لا يجدوا ماء ولا كهرباء ولا وسائل اتصال. وعن كيف أن أبناء سيناء يدفعون الثمن مرتين؟ وعن مفارقة أن الذين هجروا من رفح والشيخ زويد، كانوا من بين الذين دفعوا أرواحهم في واقعة المسجد؟ وغير ذلك من شكاوى مريرة (لها تبعاتها بالتأكيد) سمعناها من الرجل، وكنا قد سمعناها من نواب سيناء (بعد واقعة التصفية المشار إليها). ونقرأها كل يوم في تغريدات مسعد أبوفجر، والزميل مصطفى سنجر؛ مراسل «الشروق» في شمال سيناء.

لا أعرف كيف تتعامل أجهزة الدولة مع هذا الملف. ولكني سمعت كلاما، ربما تحت تأثير الصدمة عن دعوة البعض (من غير المسؤولين والحمد لله) لتسليح أبناء القبائل، في تذكير بأساليب لجأت إليها الدولة في الصعيد في تسعينيات القرن الماضي، وكان لها ثمنها الباهظ. (هل تذكرون ما نبهنا إليه محمد دياب في فيلم شريف عرفة «الجزيرة»؟). إذ من يضمن نتائج مثل هذه خطوة، لو تم تبنيها. وأثق في أن مازال هناك من الحكمة ما يحول دون ذلك. دون الدخول في تفاصيل محذورات لا أحب التذكير بها. فالقاعدة التي يعرفها كل دارس للتاريخ تقول اختصارا إن القوة العسكرية التي تعمل خارج القانون (الذي من المفترض أن الدولة وحدها هي جهة إنفاذه) قد تشجع على المزيد من الفوضى وانعدام السيطرة. فضلا عن أن اشتباكات «مسلحة» قد تصبح ذات صبغة قبلية، في بيئة قبلية، ستقود بالتأكيد إلى ما لا تحمد عقباه. وستصبح الدولة «جبرا» طرفا، حين يعتبرها، بالحق أو بالباطل البعض كذلك. وسيكون هناك قطعا (من الجيران) من سيصيد في الماء العكر.

***

(٣)

لا نملك إجابات.. نعم. ولكننا نملك «أسئلة». وأزعم أن من حقنا، أو بالأحرى من واجبنا أن نسأل
ثالث الأسئلة، وربما أخطرها. لست بالتأكيد من مدمني «أوهام المؤامرة». وأنا هنا لا أتحدث عن اتهامات مرسلة يحكمها هاجس المؤامرة (والأصابع الخفية). ولكني أسأل عن صلة كل ذلك، أو عن صلة نتائجه (أيا ما كان القائم به، أو الممول، المحرض عليه) بخطط سمعنا عنها لتفريغ سيناء من أهلها لتكون «وطنا بديلا» لفلسطينيي غزة، ضمن ما عرف باستراتيجية سلام تقوم على «تبادل الأراضي». أعرف بالخبرة والتجربة أن لا فلسطيني سيقبل ببديل عن وطنه. وأعرف أن «حماس» سارعت بالتعليق، استنكارا لتؤكد أن «وطن الفلسطينيين هو أرض فلسطين» لا غيرها. ولكني، مثل غيري سمعت بعد أيام من واقعة المسجد الأليمة وزيرة إسرائيلية تقول من قلب القاهرة «أنه لا يمكن إقامة دولة فلسطينية إلا في سيناء». أعرف أن الخارجية المصرية احتجت على هذه التصريحات. ولكني أعرف أيضا أن مثل هذه التخرصات ليست من بنات أفكار الوزيرة (الحالية) بل هناك العديد من الدراسات التي تطرح ذلك ضمن الحلول البديلة لحل الدولتين التي نجحت إسرائيل واقعيا أن تجعله يلفظ أنفاسه.

ثم إنني أعرف قبل ذلك كله أن جهدا أمريكيا قد بذل لسنوات نحو تغيير العقيدة العسكرية للجيش المصري من محاربة إسرائيل (العدو) إلى محاربة الإرهاب. وأعرف أن هذا لم يكن مريحا، أو مقبولا من العسكريين المصريين.

ثم أنني أعرف بعد ذلك أن الإعلام المصري تفرغ على مدى سنوات أربع لاتهام حماس وأنفاقها بتهريب السلاح. في حين لم نسمع اتهاما واحدا لإسرائيل التي بيننا وبينها حدود صحراوية مفتوحة تمتد مئات الأميال. حتى بعد أن تم تدمير الأنفاق وعمل منطقة عازلة تفصل رفح المصرية عن القطاع المحتل.

لا أملك ما يسمح لي بتوجيه اتهام، ولكني فقط أسأل. وأذكر أن اللواء متقاعد نصر محمد نصر رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري أجاب قبل يومين على سؤال شبيه للزميلة نوران سلام على BBC حين سألته لماذا نتهم حماس دائما، ولا نتهم إسرائيل؟ بأنه: «لا يعلم».

يبقى أن الحديث المتكرر «لمسؤلين» وإعلام دولة عن أن هناك أصابع خارجية، ودولا بعينها وراء كل ما يحدث، (الحديث يطال أمريكا أحيانا) يعني ببساطة أن هناك دولا «أعلنت علينا الحرب» بأفعالها تلك. مما يصح معه السؤال (الذي لا نعرف إحابته القطعية، كباقي الأسئلة): ما هي هذه الدول بالضبط؟ وإذا كان ذلك صحيحا، وليس مجرد أداة «دعائية» لشغل الناس، وصرف الانتباه فماذا بالضبط فعلنا مع دول نعتبر أنها «أعلنت علينا الحرب»؟

***

وبعد..

فحريٌ ألا ينسينا كل ما ذهبنا إليه من ضرورة تدبر الأمر بعقلانية مطلوبة، أن ما وقع من جريمة في صحن مسجد الروضة هو ككل جريمة في حق آمنين مصلين متعبدين (أيا ما كانت ديانتهم، وأيا ما كان معبدهم) جريمة يصعب على كل عقل سليم أن يستوعبها. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَا خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدُنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وأحسب أن «مساجد الله» هي كل مكان يسجد فيه «المؤمنون الآمنون» للواحد الأحد. أنار الله بصيرتنا. وهدى الذين يقولون أنهم يريدون حلا إلى عدم الترفع عن محاولة الإجابة عن ما سبق بيانه من أسئلة.

** نقلا عن بوابة الشروق

التعليقات