أهم أحداث 2017: # أنا كمان

(1)

MeToo#

هاشتاج بدأ ينتشرعلى تويتر منذ أكتوبر الماضى، تعود جذوره إلى عام ٢٠٠٦، حين أطلقته الناشطة الاجتماعية الأمريكية السمراء، تارانا بورك، لجذب الانتباه إلى حالات التحرش الجنسى بين الفتيات ذوات البشرة الداكنة على موقع ماى سبيس، فى ١٥ أكتوبر الماضى، استعانت به الممثلة أليسا ميلانو لدعم النساء اللواتى اتهمن المنتج الهوليوودى هارفى فاينشتاين بالتحرش الجنسى أو بالاغتصاب. ووضحت أليسا موقفها قائلة: «لو أن كل امرأة تعرَّضت للتحرش أو الاعتداء الجنسى كتبت (أنا أيضًا) فى خانة تحديث الحالة على مواقع التواصل، فربّما جعلنا الناس تستوعب حجم المشكلة». ومنذ ذلك الحين انتشر الهاشتاج كالنار فى الهشيم، وشجع النساء حول العالم على البوح بسرهن المكنون الذى عانين منه طويلا وفضح المتحرشين، هذه الحملة أثبتت فاعلية مواقع التواصل الاجتماعى ودور المشاهير فى تحريك القضايا المسكوت عنها لو استطعن أن يتجاوزن مخاوفهن من كسر صورتهن أمام المعجبين أو الخسارة التى قد تنجم عن ذلك. فى مصر لم تشارك أى نجمة سينمائية فى حملة #أنا أيضا، رغم أن بعضهن بالتأكيد تعرض للتحرش أثناء صعوده الفنى، وأنا ألتمس لهن العذر، فالمجتمعات العربية تفضل الستر عن الفضيحة فيما يخص الجنس، لأن عفة المرأة مرادف للمفهوم المتداول والوحيد عن الشرف.

(2)

فى مصر هناك الكثير من المسكوت عنه بعيدا عن التحرش الجنسى، هناك مئات والآلاف تعرضوا: لضغوط لتقديم رشاوى مالية، سوء معاملة فى أقسام الشرطة والسجون، إيقاف عن الكتابة ومنع من النشر، تمييز فى العمل من جانب الرؤساء، ضحايا لوقائع فساد... إلخ. مواقف كثيرة تؤذينا وتجرح كرامتنا وإنسانيتنا طويناها بين الضلوع ومازالت تحرق قلوبنا كل يوم، فلِمَ لا نجاهر بها سعيا لتغيير الأمر؟

(3)

«لنفترض أن التهم التى كانت ضدى صحيحة، فلِمَ أرادوا انتهاك كرامتى. أريقت دماء من أجل استقلال هذه البلاد، فلِمَ قاموا بهذا السلوك؟ أنا مستعد لأن أغفر للجلادين شرط أن يعترفوا ويعتذروا. لا أريد محاسبتهم، ما أريده هو كشف الحقيقة، أريد أن يسجل التاريخ ما وقع خلال تلك الفترة السوداء، أريد ألا يتكرر ما وقع لى مع ابنتى، ولا أريد أن يعيش أبناء تونس ما عشناه، وضعونا عرايا لأسبوع كامل، أرادوا تدميرنا وراهنوا على إخصائى، الحمد لله لدىّ بنت جميلة تؤكد أننى انتصرت عليهم. كان الجلاد يضربنى على رأسى ويقول لى سأخرج العلم من رأسك. لكننى أكملت دراستى، بعد ذلك كى أؤكد انتصارى عليه. أشعر بألم عظيم لسجنى هذه المدة الطويلة، أحس بالقهر لإضاعتهم سنوات وسنوات من حياتى».

هذه السطور، جزء من شهادة الباحث التونسى سامى براهم الذى سُجن ثمانى سنوات أثناء حكم بن على فى تونس، شهادته كانت واحدة ضمن عدد كبير من شهادات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان فى السجون التونسية، والتى تمت من خلال جلسات علنية أذيعت على الهواء مباشرة ونظمتها هيئة «الحقيقة والكرامة»، فى فبراير 2016.

(4)

تونس فعلت ما لم نفعله فى مصر، أسست هيئة «الحقيقة والكرامة: وهى هيئة دستورية معنية بتتبع ملفات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان فى تونس منذ عام 1955 حتى عام 2013، بدأت عملها فى يونيو 2014، هدفها تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، تلقت آلاف الشكاوى وغرضها كشف حقيقة الانتهاكات التى حدثت فى مجال حقوق الإنسان، فى محاولة لجبر الضرر الذى حدث للضحايا، وتأسيس تونس جديدة، يطوى مواطنوها صفحة الماضى، ليبدأوا عهدا جديدا. وهذه الهيئة تكشف بتحقيقاتها كيف تعمل آلة القمع والاستبداد، ليس على مستوى الأشخاص فقط بل على مستوى الهيئات والمؤسسات، بالطبع هناك عراقيل أمام الهيئة من الدولة العميقة فى محاولة لإرباك مسارها بعدم التعاون معها فى التحقيقات وتسليمها ما لديها من أرشيف لتلك الفترة، لكن مجرد استمرارها والتزامها بالجلسات العلنية إنجاز فى حد ذاته.

(5)

كتبت عن هيئة «الحقيقة والكرامة» من قبل، وطالبت نواب الشعب بالتقدم بمشروع قانون لتأسيس هيئة مماثلة فى مصر، لكن كالعادة لم يجد اقتراحى آذانا صاغية. والرهان الآن يجب أن يكون على وعى الشعب، واستخدامه المنصات الشعبية المتاحة له فى فضح من آذوه فى جميع المجالات ليجبر مؤسسات الدولة على التحقيق فى هذه الوقائع بدلا من استجدائها.

(6)

هناك الكثير من الانتهاكات التى نتعرض لها كل يوم، المنتهكون لحقوقنا يزدادون توحشا وتجبرا وتكبرا، ولم يعد أمامنا إلا خياران: أن نغلق أفواهنا ونبتلع على مهل طعم الصدأ والملح، أو أن نفضح هذه الانتهاكات للنيل منهم، على المظلوم ألا يخجل من الظلم الواقع عليه ولكن الظالم هو الذى عليه أن يستحى.

التعليقات