في العام الجديد.. سأصير يومًا ما أريد

(1)

آخر يوم في عام2017، صفحة نطويها بما حفلت من أحداث، فرحنا حينا وتألمنا أحيانا أخرى، وفي كل الأحوال مر العام مرور الكرام أو حتى اللئام. مع مطلع العام الجديد. اسمحوا لي أن أبدأ أول مقالات العام الجديد مع موضوع أحب أن أكتب عنه، لا علاقة له بالأحداث اليومية ولا بالتحليلات السياسية، أريد أن أتكلم عن سحر الكلمات، وكيف تتحول أشعارا تصاحبك في حياتك وتساهم في تكوينك النفسي والوجداني، أكتب اليوم عن واحد من هؤلاء الشعراء الأفذاذ... الحاضرين رغم الغياب.

(2)

بدأت علاقتي بأشعار محمود درويش، عندما أهدتني صديقة قبل سنوات طويلة ديوانه «ورد أقل»، وكنت متيمة بالمقطع الذي يقول فيه:

«إذا كان لي أن أعيد البداية/ أَختار ما اختَرت»

كما توقفت كثيرا أمام قصيدته «يحبونني ميتا»، وفهمت أنها هاجس من العتاب للأشقاء العرب، يبدو الآن واضحا في ضمير الفلسطيني المتسائل عن موقف العرب من قرار ترامب بشأن القدس مدينة السلام، فهو يقول:

«يحبونَنِى ميتا لِيَقُولُوا: لَقَد كَان مِنا، وكَان لَنَا»

وهي تحمل نفس الوجع الموجود في قصيدة «أنا يوسف يا أبي»، خصوصا عندما يقول «إخوتي لا يحبُّونني/ لا يريدونني بينهم يا أَبي/ يَعتدُون عليّ ويرمُونني بالحصى والكلامِ/ يرِيدونني أَن أَموت لكي يمدحُوني/ وهم أَوصدُوا باب بيتك دوني»

حتى يصل إلى ذروة المأساة قائلا:

........

والذِّئبُ أَرحمُ من إخوتي/ أبتي! هل جنَيْتُ على أَحد عندما قُلْتُ إنِّي: رأَيتُ أَحدَ عشرَ كوكبًا، والشَّمس والقمرَ، رأيتُهُم لي ساجدين؟»

(3)

هكذا عشت عالم محمود درويش، ولم أخرج منه حتى هذه اللحظة، وكثيرا ما أتحدث بأشعاره في لغتي اليومية، وأعبر عن حالي بأبيات أبلغ من أي كلام، وهو ما أسعدني عندما شاطرني فيه كثيرون بعد ذلك، مع طفرة استخدام «الفيسبوك» ومواقع التواصل الاجتماعي، ودمج الشباب بين الشعر والجرافيك، فرأيت الكلمات التي أحفظها وأحبها في تشكيلات وصور بديعة مثل:

«وبي أمل يأتي ويذهب/ لكن لن أودّعه»

«سأصير يوما ما أرى»

«أنا من رأى»

وهذا التعبير الأخير الرائع من قصيدة «من فضة الموت الذي لا موت فيه»، والتي منحتني القوة والأمل في كثير من الأوقات الصعبة، فهو يقول:

«سأُمزِّق الصحراء فىّ وحول أجوبتي. سأسكنُ صرختي

أنا من رأى

أنا من رأى في ساعةِ الميلادِ صحراءً فأمسك حفنة العشب الأخيرهْ

سأكون ما وسعَتْ يدايَ من الأفق

سأُعيدُ ترتيبَ الدروب على خُطاي

سأكون ما كانتْ رؤاي.

أنا من رأى»

ما هذا التكثيف الرائع، حيث يمكنك أن تستخدم هذا التعبير وحده كقصيدة كاملة «أنا من رأى»

(4)

انتصر درويش على علة موت الشعر والشعراء، وحقق انتشارا كبيرا بين الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي، فأشعاره تتميز بإمكانية أن تقتطع منها مقتطفات قصيرة دون أن تقلل من جمالها، فلقد استطاع بعبقريته الشعرية أن يعبر بكلمات قليلة الحروف عن معان ومشاعر شديدة الثراء والتنوع يتم تداولها لتصبح نصوصا في حد ذاتها، وبعيدا عن النص الأصلي مثل: أنت منذ الآن غيرك، فكر بغيرك، أحن إلى خبز أمي، سجل أنا عربي، على هذه الأرض ما يستحق الحياة، بعضي مُشتاق لبعضي، لماذا تركت الحصان وحيدا، أنا العاشق سيئ الحظ.. إلخ، كلمات تتجدد بالزمن ولا تشيخ مع الوقت، على عكس الأشعار العاطفية السطحية، أو البلاغة الفارغة التي يسخر الشباب منها الآن، لسذاجة معانيها بالنسبة إلى عصرهم.

(5)

رغم أن ما يغلب على شعر درويش الإحساس بفقدان الوطن وعمق مأساة الإنسان الفلسطيني فإنه استطاع أن يحول ذلك إلى وجع إنساني عام، كما نجح في التأثير في الثقافة العربية، فالقيمة الحقيقية للشاعر هي القيمة التي يحققها في ثقافة أمته وقدرته على تجديدها والإضافة إليها، وأدخل صورا شعرية لم تخطر على بال شاعر قبله، حتى إننا لا نعرف فرقا بين التغول في الحبيب وعشق الوطن، ففي قصيدته «أحبك أكثر» يقول:

«تكبّر.. تكبّر!/ مهما يكن من جفاك/ ستبقى بعيني ولحمي، ملاك/ وتبقى كما شاء لي حبنا أن أراك/ نسيمك عنبر/ وأرضك سكر/ وإني أحبك أكثر/ يداك خمائل/ لكنني/ لا أغني ككل البلابل/ فإن السلاسل/ تعلمني أن أقاتل/ أقاتل/ لأني أحبك أكثر/ غنائي خناجر ورد/ وصمتي طفولة رعد/ وأنت الثرى والسماء/ وقلبك أخضر/ وجزر الهوى، فيك، مدّ/ فكيف، إذن، لا أحبك أكثر.»

(6)

درويش كان يضيء المناطق المعتمة ويسير بك في دروب جديدة، ويأخذ القارئ إلى اللا متوقع الذي يضمن للشاعر والمتلقي الاستمتاع بلعبة الشعر. إنه شاعر قضية، شاعر مقاومة، لم يكن شاعرا رومانسيا عاطفيا بالمعنى الشائع، لكن لعل أكثر القلوب احتياجا إلى الحب هي قلوب هؤلاء المعرضين للاضطهاد، الحب بالنسبة إلى هذه الحياة الصعبة القاسية هو مصدر الأمل الوحيد، وشعاع الشمس الذي يملأ الحياة بالحرارة والدفء، محمود درويش كان يحس بالحنين العميق إلى الحب ولا ييأس من تكرار التجربة، وعن ذلك يقول درويش: «أحب أن أقع في الحب، عواطفى متقلّبة، حين ينتهي الحب، أدرك أنّه لم يكن حبا، الحب لا بد من أن يعاش، لا أن يُتذكر، ولذلك أرغب في أن أعيشه دوما»..

وهو ما يتجلى في أروع تعبير من خلال قصيدته «أجمل حب» التي تبدأ بالغربة، وتكتمل بمسيرة لا تعرف الفراق:

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرةْ

وُجدنا غريبين يوما

صديقان نحن، فسيرى بقربيَ كفًّا بكف

معًا، نصنع الخبز والأغنيات

فحسبي، وحسبك أنا نسير...

معًا، للأبد

(6)

ظلت عبارة «سأصير يوما ما أريد» من قصيدة «جدارية» لمحمود درويش تطاردني سنوات، كلما تخاذلت عن حلمي تذكرتها، وتذكرت وعدي لنفسي أن أكون ما أريد، لا أدعي أنني وصلت إلى المنتهى، لكن أعتقد أنني على المسار الصحيح.. كل منا يستطيع أن يكون ما يريد ...فقط لا تتنازل عن حلمك.

كل عام وأنتم بخير بمناسبة العام الميلادي الجديد...أتمنى أن يكون عام تحقيق الأمنيات لكل مصري بإذن الله.

التعليقات