ضبط الأداء

هناك حالة من الانفلات العام فى بلادنا، ويطول هذا الانفلات جميع المجالات، وعلى رأسها الإعلام والأداء الرسمى، وتحديداً طروحات بعض النواب الذين يطرحون أفكاراً غريبة وشاذة، ربما يستهدفون من ورائها الشهرة الشخصية، وأن يكونوا محلاً لجدل إعلامى، وفى المحصلة النهائية يرتد العائد على المجلس ككل ومن ثم تتشوه صورة المجلس أو تزداد تشوهاً. وفى تقديرى أن أداء مجلس النواب فى دور الانعقاد الثالث من الفصل التشريعى الأول ووفق الدستور الحالى، تطور كثيراً مقارنة بدورى الانعقاد الأول والثانى على جميع المستويات، وفى الشهور الثلاثة التى مضت من دور الانعقاد الثالث صدرت عشرات القوانين التى كانت مصر فى أشد الحاجة إليها وتم تعديل قوانين قديمة، كما أن خريطة المجلس من حيث الانتماءات السياسية والانحيازات الاجتماعية بدت واضحة، ومن دخل المجلس دون خبرة أو دراية اكتسب قدراً منهما على مدار دورى الانعقاد السابقين، ويمكنك رسم خريطة واضحة للانتماءات والانحيازات. وفى تقديرى أن الأجواء العامة داخل المجلس حالياً أفضل كثيراً من دورى الانعقاد السابقين، وإذا كان هناك من ينتقد تشكيل المجلس ويقول إنه لا يمثلنى، فالرد ببساطة أن المجلس يمثل المجتمع بجميع ألوانه وطوائفه وفئاته الاجتماعية، فالبرلمان الحالى به ممثلون لجميع شرائح المجتمع المصرى، فيه السلفى والليبرالى، اليسارى واليمينى، العامل ورجل الأعمال، الحاصل على شهادة إتمام التعليم الإعدادى والحاصل على الدكتوراه فى تخصصات علمية دقيقة ونظرية، وكل برلمان عضويته هى انعكاس للمجتمع، فالبرلمان السويدى هو انعكاس للمجتمع السويدى، وكذلك الدنماركى، فلا تطالب ببرلمان لدولة من العالم الأول فى دول مجتمعها ينتمى للعالم الثالث، كما لا تتوقع برلماناً يعمل وفق الآليات الديمقراطية ويتمكن أعضاؤه من استخدام آليات العمل التشريعى والرقابى المنصوص عليها دستورياً فى نظام لم تستقر فيه التجربة الديمقراطية بعد، ومجتمع غير قابل للديمقراطية كثقافة ومنظومة قيم، ولذلك ليس غريباً أن يظل قانون ازدراء الأديان قائماً، ويرفض مندوب وزارة العدل إلغاءه، فالسلطة التنفيذية فى حاجة للفقرة (و) من المادة (98) لمحاسبة من تريد وقتما تريد بتهمة ازدراء الأديان، والسلطة التنفيذية قادرة على تجميد أى قانون يصدر بل واستخدامه عكس ما تقول مواده والمستهدف من وراء صدوره، مثل قانون بناء وإصلاح الكنائس، الهدف المعلن هو حل إشكالية الكنائس القائمة دون ترخيص وتنظيم إجراءات بناء الكنائس الجديدة، ما يجرى على الأرض اليوم هو أن السلطة التنفيذية وتحديداً جناحها الأمنى يستخدم المعلومات التى قدمتها الكنيسة عن الكنائس غير المرخصة من أجل تقنين أوضاعها، يستغلها فى إغلاق هذه الكنائس بدعوى عدم وجود ترخيص، ويوظف فى هذا الإطار علاقاته القديمة بالجماعات المتشددة، فبعد أن يدفعها للخروج والاحتجاج، ويتركها تحطم محتويات الكنيسة وتدنس مقدسات المسيحيين، يتدخل بإغلاق الكنيسة حفاظاً على السلم المجتمعى.

فى تقديرى أن المطلوب اليوم هو ضبط الأداء فى مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة وعلى رأسها الأجهزة الأمنية، والذى لن يتحقق إلا عبر تطبيق مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات وتمكين مجلس النواب من القيام بدوره الرقابى والتشريعى بشكل حقيقى وكامل، وأن ترفع أيدى الأجهزة الأمنية عن التدخل فى مجالات ليس من حقها التدخل فيها، وتدخلها يفسد المواقف ويسبب أزمات حقيقية للدولة المصرية داخلياً وخارجياً، إضافة إلى تعطيل عملية التحول الديمقراطى فى البلاد.

التعليقات