غرامة عدم الأكل

دخلت مطعماً آسيوياً، وكان تجربةً فريدةً، ينتمي المطعم إلى ذلك النوع من المطاعم التي تدفع فيها مبلغاً محدداً مقابل أن تأكل كل ما تستطيع أن تأكله، لكن هذا المطعم له قواعده الخاصة التي تبدو غريبة بعض الشيء. ما إن جلسنا حتى جاءنا المضيف، وسألنا إن كانت هذه المرة الأولى التي نزور فيها مطعمه، فأجبنا بالإيجاب. ابتسم، وأخبرنا بأنه سيشرح لنا قواعد اللعبة، فبادلناه الابتسام. قال إن أمامنا ساعتين نقضيهما في الأكل، وإن بإمكاننا أن نأكل في خمس جولات، وفي كل جولة يطلب الواحد منا خمسة أصناف من الطعام، يدخل بعدها في الجولة التالية بخمسة أصناف جديدة. ليست هذه قواعد اللعبة فقط، لأن هناك مخالفة للقواعد، وهناك- بالطبع- عقوبة للمخالفة. حسب دستور المطعم وقوانينه، سيكون عليك أن تدفع غرامة مالية إذا طلبت شيئاً ولم تأكله، أي أنك مجبر على أن تطلب ما تستطيع أن تأكل فقط، وبدون أن يتبقى شيء في طبقك.

ليست هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها هذا النوع من المطاعم، وأشهرها في المدينة التي أعيش فيها في هولندا مطعم برازيلي تستطيع أن تأكل فيه كل أنواع اللحوم، حتى تصيبك التخمة. وفي هذا المطعم البرازيلي يدور عليك العاملون بأسياخ اللحم والدجاج والسمك المشوي، ويضعون في طبقك مختلف الأصناف، بدون أن تطلب منهم، ويحاولون إقناعك بأن تأكل مما لديهم حتى إذا أخبرتهم بأنك شبعت. تماماً كما لو أنك معزوم في بيت عربي يحاول مضيفك أن يكرمك بإجبارك على الأكل فوق طاقتك، حتى تشعر أحياناً بأنك كرهت الأكل كله مهما تكن لذته.

بالنسبة لي، يمثل المطعم البرازيلي، على عكس الآسيوي الذي لا يبعد عنه أكثر من خمسين متراً، نوعاً من التعذيب الفعلي. فأنا مصاب بعقدة بقايا الأكل في الطبق، منذ أن كنت في الخامسة عشرة من عمري. وقتها كنت أعيش مع خالي وزوجته في القاهرة، وزوجته امرأة من المجر أعتبرها إلى الآن أمي الثانية، وأكثر امرأة أثرت في حياتي. وقتها جئت من الصعيد لأدرس وأعيش مع خالي وزوجته، لأصاب بأولى الصدمات الحضارية في حياتي. نحن نأكل في الصعيد من أطباق مشتركة، لكن القاعدة في بيت خالي أن يأكل كل شخص في طبقه. وفي الصعيد يمكنك أن تملأ طبقك إلى آخره، ولن يلومك أحد إذا تركت نصفه، لكن هذا الأمر كان من الممنوعات الشديدة في بيت خالي. في الصعيد، كان من الذوق ألا تأكل كل طبقك، أو أن تشرب كل مشروبك، لكن الأمر في بيت خالي كان مختلفاً تماماً. مرة كنا مسافرين، فاشترينا مشروبات غازية، وأبقيت في زجاجتي بعضاً منها، كعلامة على الذوق والأدب، كما علمونا في الصعيد، لكن زوجة خالي اعترضت بشدة على سلوكي هذا. قالت لي: "هل تحب بلدك؟". أجبتها: "طبعاً". قالت: "إذا ترك كل شخص في مصر جزءاً صغيراً من مشروبه في زجاجة المياه الغازية، فهل يمكنك أن تتخيل حجم الخسارة التي يمكن أن يخسرها اقتصاد بلدك؟". من هنا تكونت لديّ ما أسميه "عقدة بقايا الأكل" إلى الآن.

حكى لي صديق يعيش في دولة خليجية أن عاملاً هندياً وجدوه منتحراً في شقته، ووجدوا بجواره رسالة يقول فيها إنه انتحر لأنه اكتشف أن بقايا الطعام التي يلقيها سكان هذا البلد في الزبالة يمكن أن تكفي لإطعام فقراء الهند كلهم. أتذكر دائماً تلك الحكاية وأنا أتناول طعامي. أتذكر نفسي أيضاً عندما وضعتني الأيام في ظروف تجعل الطعام بعيد المنال لأيام. أتذكر دائماً أن هناك فقراء لا يجدون بقايا الطعام ليقتلوا جوعهم.

التعليقات