رسائل ملتبسة!

أحتاج فى البداية إلى بيان أمرين, أولهما أنني، ككثيرين، لست من داعمى فكرة الاستقطاب أو الثنائية التى تجتاح المجتمع من الكرة إلى السياسة والاقتصاد, ولا من المصابين بفوبيا ظهور الدين فى المجال العام.. فقد عشنا وتربينا والدين حاضر فى حياتنا، منساب، دون تقاطع مع مجريات حياتنا، دون أدنى احتياج لأى زعيق, بل كان حضوره عميقا متغللا بحيث يصل الى الجوهر وتشكيل الضمير.

ما سوف أكتب عنه لا يمكن قصره على الدين أو النظر اليه فقط من خلال المنظور الدينى وحده، فلعلنا كمجتمع ودولة قد استوعبنا الخبرة التى دفعنا فيها غاليا عن استخدام الدين، لتقويض الدولة الوطنية وإقصاء المخالفين والمختلفين.. شرعيتنا فى الثلاثين من يونيو قامت على رفض الشعب بوعيه لحكم تيار الإخوان المسلمين، الذى لم يعد خافيا لا أهدافه السياسية ولا أدواته. أقول قولى هذا فى محاولة لفهم الرسالة من عودة عمرو خالد ليعتلى تبة إعلامية، فى ذروة مشاهدة رمضانية، عبر فضائية مصرية قوية، ليست بعيدة عن الدولة؟ قبل الاستطراد، لا أتصور أننا عندما نتكلم أو نستحضر اسم السيد عمرو خالد، إنما نستدعى حضورا دينيا خالصا، ولا دورا بعيدا عن السياسة، منذ البدايات التى استهدفت طبقات اجتماعية واقتصادية بعينها، وحتى جلاء دوره فى مرحلة الإخوان، ثم ما ارتبط بدوره وجهوده بعد ما جرى فى ليبيا، ومابين ذلك من تلون لدوره فى لندن وغيرها.. سبق وجرت محاولة إعطاء قبلة حياة لعمرو خالد بعد 30/6 من خلال أحد فعاليات وزارة الشباب ووزيرها خالد عبد العزيز، وتحت ضغوط رد الفعل الشعبي، المدرك لكون السيد عمرو خالد ليس مجرد داعية ديني، بل إن دوره الذى يضفر فيه الدين بالمآرب الأخري، سحبت وزارة الشباب ووزيرها ما كانت على وشك اقترافه فى حق هذا الشعب .. لماذا لا يثير ظهور داعية دينى مثل شيخنا الحبيب الجفرى مثلا، أو الشيخ أسامة الأزهري، عند وعى أغلب الناس، ما يثيره استعادة حضور السيد عمرو خالد؟

ببساطة لان السيد الحبيب الجفري، لم يخرج عن دوره كخادم للدين وقيمه.. لأن رسائله الى الناس، ليس فيها ظاهر وباطن.. لاتبغى غير وجه الله عز وجل.. ظهور أو حضور السيد عمرو خالد لم يكن فى أى وقت من الأوقات منذ تجلي، مجرد حضور داعية أو جزءا من ظاهرة الدعاة الجدد. ( مع الاعتراف بأحقية زميلنا الاستاذ وائل لطفى فى رصد الظاهرة وتحليلها، فى كتابه المهم الذى حمل نفس الاسم والذى حصل به على جائزة الدولة التشجيعية عام 2008 على ما أعتقد، ثم استتبعه أو واصل ما بدأه بكتابه الطريق الى داعش).

كيف لنا، نحن الذين رفضنا حكم الاخوان المسلمين، بكل ما يعنيه من دلالات فكرية، تقوم أولياتها على أرضيه فكرة الأمة فى مقابل فكرة الدولة الوطنية، عندما نرى أحد الأذرع الناعمة الطويلة لهذا الفكر وفضائية مصرية تصدره و تضعه على صدارة ما تعرضه؟

هل تريد لنا هذه الفضائية أن نتقبل إعادة إنتاجها لعمرو خالد، باعتبار ألا علاقة تربطه بالإخوان؟ هل تريد هذه الفضائية ألا نستدعى دور عمرو خالد منذ تغلغله وحتى ما ارتبط باسمه فى ليبيا؟ طيب ليكن السؤال بطريقة أخري، أوجهه للمسئولين عن القناة التى سوف تطلق، بقصد وعلنية، على وعى الناس، عمرو خالد: لماذا عمرو خالد بالذات؟ ماهى الرسالة المقصودة التى من أجلها، يعاد إنتاج عمرو خالد؟

الرسائل الواضحة، ليست ترفا ولا اختيارا، وفيما نمر به من ظروف، تعد الرسالة الواضحة، فى أى سياق، جزءا من الدور، المنوط بأى جهة.

الرسائل الملتبسة، نوع الغمام، لا يعوق فقط رؤية الطريق، لكنه قد يتكثف الى حد افتقاد الرؤية، وربما ضياع الطريق نفسه.

(الأهرام)

التعليقات