صينية الاتفاق

يكثر فى الخطاب الرسمى الكلام عن الجوع والاقتصاد فى الوجبات كسبيل للإصلاح، ومعايرة بأن الرز والسكر لا يستحقان كل هذا الغضب، وهو كلام قد يكون محفزا لأى جنسية غيرنا، لأن «اللقمتين» بالنسبة لنا أكبر من مسألة الشعور بالجوع.

نحن نتعبد بـ«اللقمتين»، المعجزات الإلهية يتصدرها يقيننا أن «ماحدش بينام من غير عشا»، و«العيش والملح» ميثاق وعهد ينافس ميثاق «الفاتحة»، والرضا بتصاريف القدر يمكن اختزاله بما كان فى «بوقك» وراح لغيرك، والطمأنينة فى نفس كل واحد مصدرها أن «اللقمة بتعرف صاحبها»، بخلاف الكرامة التى فضحت الأمهات سرها «من قال الحمد لله شبع».

«نجوع؟ طب ما نجوع» قد تحفز الألمان، لكنها تطفئنا كمصريين، نحن الذين نودع الغاليين بمأدبة، ونستقبل الأحبة بغيرها، وننذر لله صياما ونفى به بإطعام غيرنا، لا نخبئ أطفالنا ولكن نخبئ اللحمة عند شرائها فى «كيسة سودة» لأنها «بتتنظر»، لا نعرف مفتتحا للكلام مع أحد أجمل من «اتغديتوا إيه النهاردة؟»، ولا نعرف طريقة للمعايرة أكثر وضوحا من المواد الغذائية التى شكلت «لحم أكتافك».

لو طُلب منهم تحمل انقطاع الكهرباء وهنمشى نخبط فى بعض بس نبنى بلدنا، لتقبل كثيرون الأمر، لكن سحب المتعة الوحيدة أمر مروع، نحن لم نتلق تربيتنا فى غرف الصالون، ولكن تعلمنا كل شىء على الطبالى والسفر، لمة الأكل هى العائلة، و«إذا صفيت النية لقمة تكفى مية»، وموضوع النية مهم لأن هناك موائد مسمومة حذرنا منها الكبار «كل عيش البخيل ولا تاكل عيش المنّان».

هل تستطيع شرح ما تعرضت له من خذلان مثل مصرى يقول: «مال لحمتك مشغتة؟ قال أصل الجزار معرفة»، وهل تستطيع أن تروع أحدا وتخيفه بطريقة أكثر رعبا من «أدعى عليك دعوة توقع اللقمة من بوقك؟».

طرح الجوع كمدخل لاستثارة وطنية المصريين يشبه رجلا أهدى زوجته فى عيد الأضحى طراطير الكريسماس، نحن نزور المدافن بمخبوزات، ونقوى شكيمة العرسان بـ«صينية الاتفاق»، نغزو قلوب الحبيبات بالشاورما أو السوشى (حسب طموحك من العلاقة)، نداوى الأحزان بـ«كُل لك لقمة وخش نام»، نكافئ بـ«أجنحة الفرخة»، ونعاقب بـ«مش هتقعد تاكل معانا».

برجاء تغيير مدخل الجوع مع المصريين، لأنه حتى عندما طُرح باستنكار فى مرة سؤال: «هتاكلوا مصر يعنى؟»، أعرف بيوتا سهرت تتخيل بكل الحب واللطافة كيف سيكون طعمها، سهرة انتهت بطلب 2 حواوشى لكل واحد.

** عن المصري اليوم

التعليقات