بليغ .. أنساك .. دا كلام؟!

في ذكرى مرور 25 عاما على رحيل "ملك الأنغام" الموسيقار العظيم بليغ حمدي، كتب الصحفي الكبير ورئيس تحرير "بوابة الحكاية" مقالًا لـ"أخبار النجوم" بمناسبة هذه الذكرى.
 
وإليكم نص المقال: 
إذا أردت أن تعرف حقاً من هو بليغ حمدي يكفي أن تذكر اسمه في أي عاصمة عربية، ساعتها لن تسمع كلاماً أو ذكرى آو لحناً لبليغ ولكن سوف تسمع عشقاً وقصائد في حب مصر وأهل مصر ، ولا أبالغ إذا قلت أن الملايين التي تحب هذا البلد عندما تحتفل بذكرى هذا العبقري فإنها تفتقد وتحن إلى مصر التي كانت .. بليغ حمدي!
واسم بليغ لا يرتبط فقط بلحن أو بأغنية أو بصوت غنى من ألحانه، ولكنه ارتبط بمصر في أصعب وأزهى أوقاتها، وكانت أعماله الفنية تاريخاً آخر يجاور التاريخ السياسي والاجتماعي المصري، وكان شباب مصر الذي حارب معاركها على جبهات القتال في 67 و 73 يغني لبليغ وأم كلثوم "إنا فدائيون – 67"، و"عدى النهار والبندقية اتكلمت 67 و68" مع عبدالحليم حافظ، ثم غنى معه "عاش اللي قال" في 73، ولشادية أغنيتها الخالدة "ياحبيبتي يا مصر" ولوردة بعد يوم واحد من عبور مصر العظيم "على الربابة"، وكان لحنه العظيم "باسم الله" هو نشيد مصر ودعاءها المجيد الذي تردده الأجيال في احتفالات أكتوبر منذ 45 عاماً.
وبليغ حمدي هو الموسيقار الأشهر في جيله الذي رافقت ألحانه كل المناسبات والاحتفالات وكل الاشكال الفنية من الصورة الاذاعية إلى الاوبريت إلى المسرح الغنائي والسينما والتليفزيون..
 
ومن ينسى ألحانه العظيمة لشادية في شئ من الخوف؟ ومن ينسى أجمل ما أبدعته الدراما المصرية "بوابة الحلواني"؟.. كان بليغ حمدي هو التجسيد الحي على مدى نصف قرن  لقوة مصر الناعمة التي بسطت نفوذها وسحرها في كل بلد عربي، كان هو سلطان القلوب لكل العشاق من النيل إلى الفرات إلى الدار البيضاء إلى جدة وصنعاء، كان هو الشخص الثالث في كل قصة حب بين عاشقين .غنت من ألحانه أجمل الأصوات العربية، وجاءت إلى مصر ميادة الحناوي وسميرة سعيد من أجله، وأصبحت وردة مواطنة مصرية وصوت مصري بسببه .ولم يكن بليغ حمدي في ذلك الزمان فرداً ولكنه كان كياناً فنياً عملاقاً، صنع مدرسته وصاغ منهجه الخاص وأصبح له لونه المميز في الموسيقى المصرية لدرجة أنك للوهلة الأولى مع المقدمة الموسيقية للأغنية تعرف على الفور أنها لحناً لبليغ. وكان رغم تميزه واحداً من جوقة عظيمة من المبدعين العباقرة الذين لمعوا في بداية الخمسينات من القرن الماضي، محمد الموجي وكمال الطويل ومنير مراد، وكان "الأستاذ" لهذا الجيل بالطبع هو محمد فوزي المتمرد على القالب الموسيقي للسنباطي وعبد الوهاب، كان هو الملهم الأول الذي شق الطريق ليتألق من بعده بليغ ورفاقه، وكلهم تركوا للأجيال من بعدهم أعمالاً خالدة ، وإشتركوا معاً في منافسة رائعة لصنع مجد مصر الموسيقي والغنائي وصياغة وجدان الملايين . وكان عصر بليغ حمدي هو أجمل عصور العبقرية المصرية في كل المجالات، ..الساحة الفنية  واسعة وخصبة وجاهزة لصناعة ورعاية المواهب وتقديمها لعالم النجومية . وكما فعل الموسيقار العظيم محمد فوزي مع بليغ حمدي عام 1960 عندما قدمه لأم كلثوم وقال لها: هذا الملحن الشاب سيتغنى الناس بألحانه عشرات السنين وفضله على نفسه ليلحن لها أغنية "حب إيه"، نفس الشئ فعله بليغ مع ملحنين شباب أمثال إبراهيم رجب وهاني شنودة وعمار الشريعي وكتاب وشعراء أمثال عبدالرحيم منصور ومجدي نجيب والأبنودي وأصوات جديدة .. سميرة سعيد وعفاف راضي وعلي الحجار ومحمد منير، آمن بليغ بإبداعهم ولحن لهم وساعدهم حتى حققوا نجوميتهم.
 
وعندما نشاهد هذه الأيام آلية صناعة النجوم وصعودها السريع المفتعل من القاع إلى القمة  بفضل المال ونفوذ الاعلانات والفضائيات وقوة مواقع السوشيال ميديا، نتذكر كم المعاناة التي عاشها جيل بليغ حمدي والجيل الذي جاء من بعده، كانت هناك فقط الاذاعة المصرية، هي النافذة الوحيدة التي إذا وصلت إليها ونجحت في إختبارات لجنتها المكونة من عمالقة التلحين والتأليف.. حسن الشجاعي ومحمود الشريف وعبدالوهاب وغيرهم، فإنك تكون قد دخلت الجنة وبدأت الطريق الشاق لصنع إسمك ومجدك الشخصي.
 
وهنا أذكر حكاية رواها لي أبناء الشاعر الفنان الكبير عبدالرحمن الخميسي مكتشف السندريلا سعاد حسني وغيرها من نجمات ونجوم الزمن الجميل، والحكاية كانت في بدايات بليغ الشاب الصعلوك الموهوب المفلس دائماً، عندما قابل بالصدفة الخميسي في شارع سليمان باشا بوسط البلد وسأله: معاك خمسة جنيه يا عبدالرحمن؟، رد الخميسي: ولا جنيه يا بليغ بس فيه بنت جديدة حلوة وصوتها حلو إسمها مها صبري عايزة أغنية، ماتيجي أكتب وإنت تلحن لها حاجة،.. وافق بليغ على الفور، وذهبا معاً لجروبي ،وهناك كتب الخميسي أشهر أغنية أفراح حتى يومنا هذا "ماتزوقيني يا ماما.. عريسي هياخدني بالسلامة يا ماما"، وكانت الأغنية رغم سذاجتها ومع لحنها الشعبي البسيط هي الأغنية الرسمية المعتمدة في كل أفراح مصر، وذهب الخميسي وبليغ لـ "مها صبري" بالأغنية وسجلتها في الإذاعة اليوم التالي، وقبض الاثنان من مها العربون وكان عشرة جنيهات.
 
وربما لا يعرف الكثيرون أن بليغ هو ملحن هذه الأغنية وغيرها من الألحان التي صنعت نجومية البدايات لنجاة وفايزة وميادة وقبلهم نازك وشهرزاد ونجاة علي وعبد الغني السيد وشفيق جلال وماهر العطار وعبداللطيف التلباني.. ونحن إذا حاولنا أن نجمع حبات اللؤلؤ في الكنز الغنائي الذي تركه وراءه بليغ حمدي ربما سنكتشف أنه خلال عمره الفني القصير نسبياً.. هو الأكثر والأشهر كماً ونوعاً وإنتشاراً لألحانه وأعماله الفنية من بين كل الملحنين المصريين ، ومع ذلك ..!! .. أقول مع ذلك بكل حزن وأسى وخجل، فإن هذا العبقري المصري الفذ الذي يستحق أكثر من نوبل الموسييقى وارفع من أوسكار وجرامي وكل الجوائز مجتمعة، لم يأخذ حقه من التكريم والتبجيل في بلاده، فأين بليغ في المدارس وفي معاهد الموسيقى وفي الكتب وفي المتاحف، أين هو في ذاكرة الأمة، وذاكرة الشباب الباحث عن القدوة والإلهام؟!
.. نعم نحن  نفتقد بليغ حمدي ، ولكننا نفتقد أكثر المناخ الذي صنع بليغ .
 
ومع ذلك فنحن لا ننساه.. طالما نغني له ومعه ومع الست "أنساك .. دا كلام"ّّ!!
التعليقات