الحكم «وديعة» الشعب

يستسهل قادة وكوادر الجماعة والتنظيمات القريبة منها فكريا، الحديث عن «الثورة» يتحدثون وكأنهم يقبضون على أدوات «تفجير» الثورة، يتحدثون دون خبرة ولا دراية، يتعاملون مع الثورة وكأنها وليدة خطة قابلة للتكرار فى أى وقت وكأن الشعوب تثور كلما طلب منها فصيل ذلك، دون اعتبار للحقائق القائمة على الأرض وعلاقة مؤسسات الدولة بعضها ببعض. وحتى تتضح هذه القضية نعود لتذكر ما جرى فى أواخر عهد مبارك وماذا كانت طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة.

تعرّض الشعب المصرى فى آخر عشر سنوات من حكم مبارك لضغوط هائلة ولم يتحرك بشكل جماعى للاحتجاج، ناهيك عن الثورة، تعرض لظلم بيّن من رجال مبارك على كل المستويات، وتعرضت الطبقة الوسطى والشرائح الدنيا فى المجتمع المصرى لسياسات الإقصاء والتهميش وكان التدهورالمتواصل هو حال هذه الفئات التى ظلت تنتقل من مرتبة دنيا إلى مرتبة أدنى، والنظام مهموم بتسمين قططه المحيطة بالوريث، ولم يتوقف ظلم النظام وتحديدا مع بروز وتقدم مشروع التوريث عند حدود، فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا، لدرجة أن وزير المالية يوسف بطرس عندما قرر فرض ضريبة على العقارات لم يستثن الشقق والعقارات التى يستخدمها أصحابها، وعندما تعالت أصوات بعض مالكى الشقق والعقارات فى مناطق مميزة لا تسعفهم قدراتهم المالية على دفع الضريبة لسكن ورثوه، لم يجد حرجا فى أن يطالبهم ببيعه والبحث عن سكن أقل حتى لا يدفعوا عليه ضريبة عقارية؛ طلب من مواطنين مصريين أن يبيعوا شققهم وعقاراتهم التى عاشوا فيها عشرات السنين وورثوها عن آبائهم حتى لا يدفعوا ضريبة عقارية، فى وقت كان كبار رجال الأعمال يربحون مئات الملايين بل والمليارات عبر شراء أراض ومشروعات وشركات عامة وتشغيلها أو بيعها بعد إعادة تأهيلها. ازداد ظلم نظام مبارك وتضخمت ثروات رجال الوريث، وعانى بسطاء المصريين من ظلم بيّن وبات بعضهم عاجزا عن توفير مستلزمات علاج الأبناء فى وقت سطا فيه رجال الأعمال على مخصصات العلاج على نفقة الدولة، بل إن مواطنين مصريين أقدموا على الانتحار هربا من العجز عن الإنفاق على الأسرة والأبناء، كل ذلك ورجال أعمال النظام يراكمون الملايين والمليارات وهناك من كان لديه أكثر من طائرة خاصة. اعتمد مبارك على عصا الأمن لحفظ النظام وتمرير مشروع التوريث، تمددت قدرات الأمن واتسعت وباتت الشرطة جاهزة للتصدى للقوات المسلحة إذا فكرت الأخيرة فى التحرك لمنع تنفيذ خطة التوريث، وكان الوريث سخيا مع وزير الداخلية حبيب العادلى، فوفر له كل ما يحتاج من أموال لشراء قنابل الغاز وأحدث منتجات مصانع أدوات القمع والقهر، حوّل وزارة الداخلية إلى ترسانة سلاح وحرص على أن يكون عدد قوات الأمن التى تتصدى لأى مظاهرة ضد النظام أو مشروع التوريث، أضعاف عدد المتظاهرين حتى تصل لهم رسالة الإحباط. ثم جاءت اللحظة المناسبة فخرج الشباب للاحتجاج على الأوضاع القائمة فى البلاد وفقدان الأمل فى الغد، والتعبير عن كسر حاجز الخوف من أجهزة الأمن، فكان الرد العنيف وتبلد رأس النظام، فاتسعت كرة اللهب حتى تهاوت الشرطة فى الثامن والعشرين من يناير، وعبثا حاول الرئيس العجوز إنقاذ الموقف ولكن بعد فوات الأوان ولم يكن أمامه إلا الرحيل ثم السجن ومعه الوريث، فى نهاية مأساوية لعسكرى مصرى نال نياشين عدة، استهان بقوة الشعب وصبره، فكانت الثورة التى زجت به إلى السجن. كان موقف القوات المسلحة المصرية هو الفيصل فى نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير، فقد كان الجيش المصرى مستعداً لتبنى مطالب الشعب ولم يكن وارداً لديه استخدام القوة ضد الشعب دفاعاً عن نظام قهر المصريين وخطط للتوريث.

لم يستوعب مرسى وجماعته الدرس، ومارس سياسة استهداف مؤسسات الدولة، وواصل العمل من أجل مصلحة الجماعة، الأهل والعشيرة، ومن ثمّ كانت الثورة من جديد، فقد كرر مرسى فى عام واحد أخطاء مبارك التى تراكمت على مدار سنوات طويلة، أيضاً لم يختلف بطء مرسى وتبلده عن مبارك، ردد الإخوان أن مرسى رئيس منتخب ولا يجوز الخروج عليه!! ويقول لنا جون لوك، الفيلسوف الإنجليزى، أحد آباء نظرية العقد الاجتماعى: «إن الحكم أمانة شعب عند الحاكم ويمكنه استردادها فى أى وقت عند إساءة التصرف»، ويضيف: «الحاكم يتعهد بالحفاظ على حقوق الشعب فى الحرية والحياة والتملك، فإذا لم يلتزم الحاكم بأحكام الوديعة وإذا ما سلب المحكومين حقوقهم، من حق المحكوم أن يثور ضد السلطة دفاعاً عن النظام العام وليس بغرض تحقيق الرغبات الفردية، ومن ثم فالثورة هدفها تحقيق النظام والأمن وليس العصيان، هدفها تحفيز السلطة الجديدة على مراجعة أخطاء السلف والتفكير فيها لإصلاحها حتى لا تقع الثورة مجددا، فالثورات تقع نتيجة ظلم النظام ورغبة الشعوب فى تصحيح الموقف. أما الأب الروحى لنظرية العقد الاجتماعى الفرنسى، جان جاك روسو، فيقول: «الشعوب تملك السلطة والسيادة ولها الكلمة الفصل، والمناصب العامة تعين من قبل سلطة الشعب التى تمنح وتحاسب فى نفس الوقت. باختصار تثور الشعوب على الحاكم الذى يصم أذنيه عن سماع شكاوى بل أنين الشعب، أو الحاكم ذى الجلد «التخين» تثور عليه استردادا لوديعتها، فمن لا يكون أميناً فى حفظ الوديعة وصيانتها تنزع منه وتمنح لغيره. وقد نزعت الوديعة من مبارك ومن بعده الإخوان، لأن أياً منهما لم يكن أميناً على الوديعة، فاستردها الشعب فى يناير ٢٠١١، ثم يونيو ٢٠١٣.

من لا يكون أميناً فى حفظ الوديعة وصيانتها تنزع منه وتمنح لغيره. وقد نزعت الوديعة من مبارك ومن بعده الإخوان، لأن أياً منهما لم يكن أميناً على الوديعة.

 

التعليقات