بنت الشاطئ.. الثانية!

جاءنى كتابها وأنا خارج مصر، ولما عدت صدمتنا كارثة قطار باب الحديد، ورأيت ألا أكتب عنه إلا بعد أن أعيد قراءته.. إذ بعضه قرأته - على فترات - فى صحيفتنا «الأهرام»، وكان صعباً ألا أكتب عنه.. لأسباب عديدة.صاحبته رفيقة عمر.. كانت نوارة دار أخبار اليوم.. وهناك - فى الطابق الثانى من المبنى التاريخى- التقت برجلها الذى عشقته، وعشقت ريشته.. هو الفنان كنعان.. وربما ينسى البعض أنها كانت رسامة.. ترسم بريشتها وتجمل صفحات صحف الدار.. وازداد توهجها حول الستين من عمرها.. ولكنها تألقت أكثر فى سنواتها الأخيرة.. حتى أصبحت أكثر توهجاً وبريقاً، حتى كانت الشمس وكل ما حولها من الكواكب.. وأتذكر هنا مقطعاً من بيت لشاعر الوطنية حافظ إبراهيم وهو يتحدث عن مصر يقول: «ودراته فرائدُ عقدى».

تلك هى سناء البيسى.. التى أحبت ثلاثة: أولها رفيق عمرها معشوقها الفنان كنعان.. وثانيها ابنها الذى زرعت فيه كل صفاتها.. وثالثها عشقها للتدقيق والتمحيص والدراسة.. ليأتى كل ما تكتبه دقيقاً موثوقاً، ولذلك أراها آخر «المحققين الدارسين المدققين.. الذين لا يمكنك أن تشك فيما تكتب».. ولهذه الأسباب أراها: بنت الشاطئ الجديدة، أو العصرية.. التى تجدد فكر البحاثة الحادين والمجددين.

هى فعلاً عائشة محمد عبدالرحمن.. بنت الشاطئ التى خاضت فى خدمة الدين والقرآن والحديث واللغة ما لم تخضه كتيبة كاملة من العلماء الصادقين. وليس سراً أن بنت الشاطئ الجديدة لم تنس بنت الشاطئ الأولى، فكتبت عنها فى كتابها الرائع «عالم اليقين» الصادر من أيام عن دار نهضة مصر التى تشرف عليها، وأحيتها الناشرة الناشطة داليا محمد إبراهيم.

و«عالم اليقين» ليس كتاباً عادياً.. بل هو سِفر جديد بكسر السين لمن لا يعرف. وعلى مدار ٦٥٠ صفحة قدمت لنا المبدعة سناء البيسى عرضاً لعشرات الشخصيات، من القدامى والمحدثين.. فى كل لون.

وهى ليست مجرد صفحات.. بل محاولات إنسانية من مفكرين عظماء صنعوا تاريخ البشرية.. وجاء الكتاب خلاصة فكرهم.. صاغته الرائعة سناء البيسى بما اشتهرت به من تمكّن من لغتها العربية، وقدرتها على التوثيق.. وهو ما نفتقده من بعض ما يكتبه بعضهم الآن.

■ ■ هو كتاب نضعه فى مقدمة كتب التنوير التى نحتاجها الآن.. ليس فقط على غرار ما تركته لنا بنت الشاطئ الأولى.. ولكن أيضاً ما تركه لنا المفكرون العظام من أمثال خالد محمد خالد، وهيكل باشا، والزيات، وأحمد أمين.. ومن المؤكد أن عنوان الكتاب لم يأت اعتباطاً.. فما أحوجنا الآن ومصر فى مرحلة تغيير شاملة إلى عالم اليقين!.. وبالذات بقلم بنت الشاطئ الجديدة.. أشهر مدققة وباحثة فى عالمنا المعاصر.

شكراً «دكتورة» سناء البيسى، أقصد بنت الشاطئ.. لكتابها الذى يضعها فى صدارة المفكرين المبدعين الكبار.. وما أحوجنا لأمثالها وأمثاله!.

(المصري اليوم)

التعليقات