المكارثية 2019

وقفت السيدة المصرية الأربعينية على باب مكتب إحدى المؤسسات الدولية في العمارة التي تقطنها في أحد أحياء القاهرة الراقية وعلا صوتها: "يا جواسيس يا خونة، اخرجوا من عمارتنا ح تجيبوا لنا شبهة، واخرجوا من بلدنا بتعملوا إيه عندنا؟ جايين تتجسسوا علينا ليه؟" حاول بعض الموظفين المصريين تهدئتها بتأكيدات أن المؤسسة تعمل بترخيص من الحكومة بل وإنها تشارك في مشروعات مهمة، لكنها واصلت الصراخ موجهة الكلام للمصريين: "أنتم كمان عملا، بعتم بلدكم بكام؟ أنا ح أبلغ عنكم.. أنتم أعداء مصر!".

القصة -التي رواها لي صديق يقيم في نفس البناية ووصله صوت السيدة "الخائفة" على وطنها- جعلتني أقف كثيرًا أمام آخر جملها: "أنتم أعداء مصر!". استحضرت وصفًا شهيرًا مشابهًا: "أعداء أمريكا" أطلقته الحقبة المكارثية الكريهة التي عاشتها الولايات المتحدة في سنوات الحرب الباردة على غير الأمريكيين والمخالفين في الرأي، لتنشر حالة من الخوف والاتهامات المرسلة والتشويه ليس فقط على أصحابها ولكن على المجتمع ككل. فهل نحن الآن "المكارثيون الجدد"؟

ولمن لا يعرف أصل الكلمة فهي تعبير سياسي ظهر في خمسينيات القرن الماضي، يصف توجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة عشوائيًا ودون أدلة، مستهدفًا اغتيال الخصوم السياسيين معنويًا عبر تهم تطعن في شرفهم ووطنيتهم وتؤدي إما إلى إقصائهم أو الزج بهم في السجون.

ينسب التعريف إلى جوزيف مكارثي السيناتور الأمريكي الجمهوري الذي ولد عام 1908، وكان أصغر أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في ذاك الوقت عن ولاية ويسكونسن. لم يكن مكارثي عضوًا بارزًا في مجلس الشيوخ فقد كان مجرد سيناتور "وطني" مسيحي متدين، حتى وقف ذات يوم عام 1950 ملوحًا بمجموعة أوراق قال إنها قائمة تضم أسماء مئات الجواسيس الشيوعيين الذين يعملون بالحكومة الأمريكية.

استغل مكارثي حالة الفزع التي اجتاحت أمريكا من المد الشيوعي الذي انتشر في أوروبا وآسيا بعد وصول الشيوعيين إلى حكم الصين علي يد ماوتسي تونج ممتدًا إلى كوريا، وأيدته الغالبية الأمريكية -حينها- خوفًا على بلادها من الخطر الشيوعي خاصة وأنه كان دائمًا يصفه "بالدين الذي يريد القضاء على المسيحية".

بدأ مكارثي حملته بوزارة الخارجية الأمريكية، موجهًا التهم المطاطة لأكثر من مائتي دبلوماسي أمريكي، وامتدت إلى ما أطلق عليه "تطهير" باقي أجهزة الحكومة. وكان يقول: "نحن الأمريكيون علينا طرد جميع الخونة من كل الأمكنة والإدارات التي أرسلوا إليها كي يمارسوا خياناتهم". فقد الآلاف وظائفهم باتهامات تحمل عناوين: عدم الوطنية، ومعاداة أمريكا، ومزاولة نشاط معادٍ لأمريكا... ولم يقف الأمر عند موظفي الدولة، بل امتد إلى المثقفين والفنانين والعلماء، وكل من اعتنق فكرًا مخالفًا -بالذات الفكر اليساري- أو دافع عن حقوق البشر وحرياتهم. طالت الاتهامات أكثر من 300 فنان من قلب هوليوود شملتهم قائمة سوداء وحرموا من العمل لسنوات.. ووصلت الاتهامات إلى أسماء كبيرة مثل تشارلي شابلن (فنان الكوميديا المعروف)، والعالم ألبرت أينشتاين، والكاتب الشهير أرثر ميللر، وبرخت (المؤلف المسرحي المعروف)، والمناضل مارتن لوثر كنج وغيرهم.

ساندت مكارثي في ذلك الوقت لجنة أسست داخل الكونجرس مهمتها "التحقيق في انتشار الشيوعية"، إضافة إلى برنامج "مناهضة التجسس" التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" والذي راقب الشخصيات العامة ونشر الأكاذيب والتهم الغوغائية لكل من يحمل رأيًا مخالفًا أو يخالف "المكارثية" نفسها ووصل الأمر إلى حد التنكيل بأكثر من 10 آلاف أمريكي تم طردهم من وظائفهم أو حبسهم وتشويههم .

خمس سنوات من الظلمة والرعب وتكميم الأفواه عاشها المجتمع الأمريكي الذي تحول مواطنوه إلى مخبرين سريين يشي بعضهم ببعض إما بدوافع وطنية، أو طمعًا في وظيفة أو درءًا لمظالم. لكن مجموعة من المثقفين والأكاديميين والصحفيين أبوا أن يقع بلدهم فريسة للظلام، وهو منارة الحريات.. فتصدوا بشجاعة للإرهاب الفكري الذي مارسه مكارثي ووقفوا في وجه حالة الخوف والفزع التي سادت الكل، وكانت كتابات آرثر ميللر وبرنامج المذيع الشهير إدوارد مارو الذي هاجم مكارثي في عز قوته، نبراسًا قاد الطريق للأمريكيين للخلاص من مخاوف المكارثية، وساعدهم على رفض الانصياع لدعاوي التخوين. انتهت قصة جوزيف مكارثي ليس فقط بإدانته بتهم التزوير والفساد ثم موته مدمنًا عام 1957، ولكن -وهو الأهم- باتفاق المجتمع الأمريكي إنه "مهما كان الخطر الذي يهدد البلاد فلا يجب أن يواجه على حساب الدستور والحريات".

ما سبق كان التاريخ، عدت لمراجعته ومشاهدة الفيلم الرائع (ليلة سعيدة وحظ سعيد) الذي يحكي عن تلك الحقبة حين سمعت بقصة السيدة المصرية الغيورة الخائفة على وطنها ولها كل الحق. فتلك السيدة تشبه -في خوفها- كثيرًا من الأمريكيين في الخمسينيات الذين امتلأوا خوفًا على وطنهم. والأكيد أن تلك السيدة الصادقة لم تجد حولها إلا نوازع التخوين من كل ما هو أجنبي أو كل ما هو مختلف في الرأي.. حملة بدأها الإخوان من قلب ثورة يناير لتقسيم الناس بين: ثورة وفلول. فأنت إما مؤيد للثورة أو إنك تنتمي لنظام مبارك الذي خلعه المصريون. وامتدت الاتهامات إلى منظمات العمل الأهلي الحقوقي التي نال أصحابها أحكام القضاء المختلفة حتى قضى ببراءتهم ولكن بعد تشويههم. وصولا إلى وضعنا الحالي من تخوين الآخر وعدم قبول اختلاف الآراء بل وتشويه أصحابها واعتبارهم "غير وطنيين"، وما قصة السيدة الطيبة التي ترى المؤسسات الأجنبية مراكز لإعداد الجواسيس أعداء الوطن إلا نموذجًا من نماذج عديدة لهذا النوع من التفكير.

منذ أكثر من ستين سنة خاف الأمريكيون على بلادهم من المد الشيوعي واكتشفوا بعد ذلك أنها مخاوف واهية بلا أساس.. أما نحن، فماذا نخاف؟ الاختلاف في الرأي ليس عداءً للوطن، تنوع الأفكار ليس جريمةً نعاقب عليها بل أن نكافئ أصحابها ونحفزهم، التعبير عن الرأي ليس نشاطًا إرهابيًا معاديًا للبلاد (ما دام التزم بحدود القانون). لقد خلقنا الله "شعوبا وقبائل" مختلفة، ولو أراد لجعلنا شعبًا واحدًا ودينًا واحدًا.

نحن بلد يعرف طريقه.. واثق من خطاه.. لا يخشى في الحق لومة لائم.. لن يهزه الإرهاب مهما قست موجاته ولن تروعه جماعاته مهما حاولت. أما الخوف.. أما الفزع.. أما التخوين فستصيبنا في مقتل: فلا علم مع الخوف ولا إبداع مع الخوف ولا عمل مع الخوف. الخوف سلاح الضعفاء.. ولسنا بضعفاء..

(مصراوي)

التعليقات