رمضان "بتاعنا"

النور ملو الشـوارع … ومليون راديو والـع

الساعة اتنين الصبح … لكن إيه الموانـــــع؟

الخلق رايحة جاية ... الدنيــا لســه حيـــــة

في سهرة لسه عندي ... في بيت فلان أفندي

ح ناكل كنافة بلدي … ونشرب تمر هنـــدي

هكذا وصف صلاح جاهين، في عام ١٩٥٨، رمضان حينها.

قرأت القصيدة النادرة، التي تعيد لهذا الجيل ذكريات "رمضانهم" وكأنه صورة حية متحركة.

أما رمضاننا نحن- جيلَ الثمانينيّات والتسعينيات- والذي قضينا فيه طفولتنا وبدايات شبابنا، فما زالت رائحته وذكرياته عالقة بقلوبنا وعقولنا. نبحث عنه، نتلمس بقاياه، ونشعر بالغربة كثيرا وسط الطقوس الجديدة التي لا تعرف معنى رمضان الحقيقي الذي عشناه.

عفوا يا سادة، أعلنها بتحيز: فقد كان رمضاننا هو الأحلى والأدفأ والأكثر أصالة.

لا أذكر جيدًا كيف كان يمر اليوم مع الصيام؛ فذكريات رمضان دومًا كانت مرتبطة بإجازة المدرسة، لكنني أذكر جيدًا أننا (أطفال ثم شباب عماراتنا بالمهندسين) كنا نتهرب من الجلوس في البيت، وكانت وسيلة هروبنا الكبرى أننا عند طنط فلانة أورايحين النادي عندنا تمرين المهم أن نتخلص من مهام المطبخ (كبنات) أو من شراء لوازم البيت (كأولاد)، وكانت أشهر بطولاتنا طبعا لعبة بنك السعادة- لا أدري إن كانت موجودة، أم لا، فقد استبدلت بالبلاي ستيشن- كان اللعب يمتد حتى اقتراب مدفع الإفطار، لا نفيق من المنافسة الحامية إلا على صوت جرس الباب وصراخ الأمهات: "يلّا المدفع ح يضرب مش معقول كده كل يوم"!

صوت المدفع في الإذاعة المصرية مازال عالقا في رأسي: "مدفع الإفطار.. اضرب" (هو تقليد مملوكي بدأ في مصر عام ٨٦٥ هجرية ثم امتد لأرجاء العالم الإسلامي)، تمتلئ بعده سماوات المحروسة بتداخل أصوات المؤذنين من كل جامع مجاور في سيمفونية موسيقية لا أظن أن هناك أجمل منها.

كنت أسترق تلك اللحظات أجري على بلكونة حجرتي على الشارع الرئيسي لأرى شارع جامعة الدول العربية المزدحم دائما وهو خالٍ تقريبا من البشر وصوت الأذان يصدح من كل مكان.

لكن.. لا صوت يعلو على صوت الشيخ رفعت، ولا إفطار إلا عندما ينهي الشيخ رفعت رفع الأذان حتى ولوكان التسجيل قديما به الكثير من المشاكل الصوتية: رمضان يعني الشيخ محمد رفعت.

طقوس بيتنا في رمضان لا أظنها تغيرت طوال سنوات حياتي في بيت أبي وحتى وفاته- رحمه الله- البلح باللبن، صلاة المغرب جماعة، الشوربة ثم باقي الطعام الذي كانت تعده بمهارة فائقة والدتي- أطال الله في عمرها- بنفسها كل يوم. وكان رفيقنا على مائدة الإفطار يوميا هو جهاز الراديو طبعا. ومين ح يمسك الراديو (يتحكم في المؤشر) كانت تلك هي الخناقة اليومية بيني وبين شقيقي الأصغر محمد.

الراديو هو الجزء الأول من رمضان، وكان التليفزيون يأتي لاحقا، فبعد الأذان كانت ابتهالات النقشبندي الرائعة، ثم صوت آمال فهمي على البرنامج العام: فوازير رمضان (بدأته عام ٥٦) وحتى تنتهي الفوازير التي كانت غالبا سهلة جدا كلنا كنا نعرفها، كنت أغير المؤشر إلى المنافس الأكبر: إذاعة الشرق الأوسط. كانت وقتها المنافسة محتدمة بين البرنامج العام والشرق الأوسط، خاصه في عهد إيناس جوهر ومن بعدها عمرو عبدالحميد، فالبرنامج العام كان الرصانة والأصالة بينما الشرق الأوسط كان التجديد والروح الشبابية وكلنا يذكر صوت إيناس جوهر: (افتح عينيك وامشي بخفة ودلع.. الدنيا هي الشابة وانت الجدع.. تشوف رشاقة خطوتك تُعبدك، لكن انت لو بصيت لرجليك تقع.. وعجبي).

البرنامج الأشهر على الشرق الأوسط حينها كان دعوة علة الفطار مستضيفا أحد النجوم على مائدة الإفطار، وكنت دايما أسأل همّ فعلا على الهوا ولّا كل ده تسجيل؟

فإذا جاء وقت المسلسل كانت المنافسة أكثر شراسة بين مسلسلات البرنامج العام (أساسا فؤاد المهندس وشويكار) وبين مسلسلات الشرق الأوسط التي كانت تختطف النجوم (شادية، فاتن حمامة ونجلاء فتحي وغيرهن)، كانت الإذاعة هي عالم الخيال، تفتح لك الدنيا، ترتبط بأصوات مذيعيها وأصوات نجومها، فيصبحون جزءًا من حياتك اليومية، وتصبح أصواتهم هي صدى الكلام الذي يحكي روايات الكبار وقصص التراث كما حكت زوزو نبيل لنا حكايات شهرزاد لسنوات.

ما إن ينتهي الإفطار نتسابق إلى التليفزيون: بوجي وطمطم أو عمو فؤاد للأطفال، ثم بكار لمحمد منير (كان للأطفال اهتمام خاص في التليفزيون المصري، وأذكر جيدًا كيف رفضت سوزان حسن رئيسة التليفزيون فيما بعد تقديم موعد برنامجي الأول في رمضان مانع وممنوع والذي كان يعرض بعد الإفطار مباشرة لأهمية برنامج الأطفال في الخريطة المصرية).

ينتهي جزء الأطفال وكلنا في انتظار هدية رمضان: الفوازير. نيللي، شيريهان، سمير غانم فطوطة، وتجارب أخرى ليحيى الفخراني وصابرين وهالة فؤاد، ولمدحت صالح وشيرين رضا.

لكنّ ملكتي الفوازير طبعا كانتا نيللي ومن بعدها شيريهان، ومن خلفهما العظيم فهمي عبدالحميد.

كان التسابق بين البنات على من تحفظ المقدمة أولا، كان انبهارنا بالاستعراضات والفساتين لا يساويه انبهار؛ فقد كانت الفوازير أجمل ما نشاهده في رمضان.

لم تكن المسلسلات في زمننا كثيرة، كانت الخريطة تضم من ٣- ٤ مسلسلات على الأكثر، ولا بد أن يكون بينها مسلسل دينيٌ واحدٌ على الأقل (أظن أن المسلسلات الدينية اختفت تمامًا)

وكان مسلسل لا إله إلا الله بأجزائه الأربعة (كتبته أمينة الصاوي وأخرجه أحمد طنطاوي وشارك فيه كبار النجوم) من أهم ما قدم التليفزيون عن تاريخ البحث عن الإله ثم سير الأنبياء.

هكذا كانت الدراما تعلم الأجيال، فما قدمته الصاوي بسلاسة لخص مراجع بأكملها.

أما الدراما الاجتماعية، فقد كانت شاشة رمضان زاخرة بنجومها وملاحمها: الشهد والدموع، ليالي الحلمية، زيزينيا، بوابة الحلواني، العائلة، المال والبنون، الراية البيضا (ولَا يا حمو.. التمساحة يلَا)، أرابيسك، وأبوالعلا البشري، والضوء الشارد، وأبنائي الأعزاء شكرًا، رأفت الهجان، وأحلام الفتى الطائر، وميزو، وعشرات المسلسلات.. كان النجوم يتبارون في الكتابة والإخراج والتمثيل وأغاني التيترات التي بقيت معنا إلى يومنا هذا.

رمضان كانت رائحته مختلفة، الشوارع كانت مختلفة، الزينة في كل مكان، وكأن المصريين يحتفلون بصيامهم وطاعتهم، لا يتباهون بتدينهم، فذاك أمر أصيل لا يحتاج إلى مباهاة أو دروس في البيوت أو مظاهر غير حقيقية؛ فالدين والعقيدة في القلوب والعبادة لا تحتاج للتفاخر بين الناس.

كان رمضان هو شهر التراحم، والزيارات العائلية لم تكن تنقطع، الإفطار عند جدتي، وأعمامي، وخالاتي، ثم طبعا زيارة البلد، والبلد هنا تعني مسقط رأس والدي في الأرياف، فهناك الأصل الذي لا يجب أن ننساه، وهذه هي الأرض التي نشأ فيها والدي، ويفتخر (بلدنا هي قرية طحلة محافظة القليوبية)، وما زال أخي يحافظ على هذا التقليد الذي أوصانا به الوالد.

أما في سنوات الجامعة، فقد كان لي مع الأصدقاء إفطار سنوي كبير في الحسين، ثم أرز بلبن عند المالكي والجلوس في مقهى نجيب محفوظ.

لا ينتهي اليوم إلا على صوت الراديو مره أخرى: "دعوة على السحور" عَلى أثير صوت العرب الذي أظن أن العظيمة أمينة صبري كانت تقدمه، ما زال صوتها في أذني مستضيفة كبار الكتاب والفنانين والأدباء معا في جلسة واحدة، يتناقشون، يتجادلون، ويعلموننا الكثير.

السهر في البلكونة المطلة على الشارع- فلم يكن مسموحا لي التأخر خارج المنزل: أرقب المارة، أملك أحلامي وأخطها خضراء يانعة غير ملوثة تعلو إلى عنان السماء، حتى يأتي صوت المسحراتي من الشارع يقرع دفه الشهير بطرقاته المعروفة.

لكن المسحراتي الأروع كان في التليفزيون، صوت سيد مكاوي، وكلمات فؤاد حداد.

وفي كل ليلة قصيدة جديدة:

اصحى يا نايم وحد الدايم وقول نويت بكرة إن حييت

الشهر صايم والفجر قايم اصحى يا نايم وحد الرزاق

مسحراتي على طريقة

منقراتي ورا الحقيقة

ستين دقيقة في كل ساعة

ماهيش براعة لو فن دام

وفي كل كلمة من الكلام

حضنت حزمة شدِّيت حزام

أصبر شويه شويتين

وأفضل أجاهد بقلب جاهد

فلا أضام

ومشيت بهمة إلى الأمام

والمشي طاب لي والدق على طبلي

ناس كانوا قبلي قالوا في الأمثال

الرجل تدب مطرح ما تحب

وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال

حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال

وكل شبر وحتة من بلدي حتة من كبدي حتة من موال

اصحى يا نايم

وحد الرزاق

رمضان كريم

(مصراوي)

التعليقات