الفن فى رمضان

لعلَّنا ندرك جيداً أن (الفن) هو أجمل وأوسع وسيلة للتأثير فينا نحن البشر، وأنه يستطيع بسلاسة أن يفعل هذا بشكل تلقائى من خلال إثارة مشاعرنا وعواطفنا، ويُجْمِعُ على ذلك أيضاً علماء النفس الذين يؤكدون لنا من خلال دراساتهم أن الاستجابة العاطفية دائماً ما تسبق الاستجابة العقلية أو المعرفية الواعية فى عملية «التواصل الإنسانى»؛ حيث إن العاطفة مسألة أولية وجدانية تعتمد على المخزون النفسى والغريزى فى العقل الباطن أو اللاشعور.

وفى كتاب (المخ الانفعالى) للدكتور (جوزيف لودو) عالم الأعصاب بجامعة نيويورك يفسر ذلك بشكل علمى، فيقول: هناك نوعان من الاستجابة؛ الأولى هى «استجابة سريعة» تمر بجوار قشرة الدماغ، وتسمح بالرد الغريزى السريع لأى مؤثر خارجى، وأما الثانية، فهى «استجابة بطيئة» تقوم بعملية التقييم، ومن ثم تسمح للإنسان مِنَّا باتخاذ الموقف المعقول بناء على معرفة صحيحة.

ومن هنا أستطيع القول والتأكيد على مدى أهمية وقوة تأثير (الفن) الذى يخاطب المشاعر مباشرة، بما لها من قوة تأثير على عقل الإنسان واتجاهاته؛ حيث إنه يتوجه إلى العواطف والمشاعر بكل أحماله الثقيلة من الأدوات الفنية المتشابكة؛ من أداء، وموسيقى، ورسم، وكلمات، وحركة، وجماليات مركبة.. إلخ؛ لتوصيل فكرة معينة، مما يخلق (حالة) من الانقياد النفسى المباشر، قد يتبعها فى الغالب اقتناع عقلى فى عملية التقييم العقلانى التى تتطلب تدريباً وتحكُّماً ووعياً مكتسباً. ولا يتوافر كل ذلك عند كل الناس بنفس الدرجة.

وبمناسبة الحديث عن الفن، غالباً ما نجد أهل الفن يحلو لهم التعبير عن أعمالهم (الإبداعية) بأنها (عملت حالة) أو خلقت حالة فى المجتمع، وهو تعبير له دلالاته فى رصد مدى تجاوب الناس مع العمل الفنى المقدم لهم، ومدى خضوعهم لتأثيراته النفسية والعاطفية والجمالية، ثم بعد ذلك تأثيره على عقل الناس (الحالة العقلية).

وتعالوا بنا نربط ما سبق، أو نقوم بعملية إسقاطه على الواقع (واقعنا المعاش فى شهر رمضان المعظم) -أيوه والله المعظم- ففى وسط زحمة ما يقدم من إنتاج (الفن) سواء من الدراما أو المسلسلات أو البرامج أو حتى الإعلانات التجارية و.....(الرمضانية) رحت أسأل السؤالين التقليديين المكررين لى فى كل عام فى شهر رمضان الفضيل -أيوه والله الفضيل- أولهما: ما الهدف أو الأهداف العائدة على الجمهور من معظم تلك العروض؟ وثانيهما: ما علاقة معظم هذا المعروض بشهر الصوم؟! ولعل السؤال الأهم الذى أردت مناقشته من خلال الكتابة فى هذا الموضوع ربما يتمحور حول: ما مردود ذلك على المجتمع؟!

وأعلم وتعلمون أن الفن سلاح، وأدرك وتدركون أنه لا يصح أن يكون السلاح حراً حرية مطلقة، والدعوة إلى حرية الفن وحرية الفنان إنما هى دعوة غير صحيحة فى المطلق، ومنقوصة إلى أن يتم استكمالها بالتالى: الفن حر، ومسئول، ومحاسب.

فالفنان كحامل أى سلاح يمكن أن تسحب منه الرخصة فى حالة إساءة الاستعمال.

** عن الوطن

التعليقات