رد اعتبار الأسرة المصرية

وسط برامج النميمة وتصفية الحسابات وإشهار الأحقاد وتجريح الآخرين، وبين حلقات محاكم التفتيش فى الضمائر والعقائد ناهيك عن أفكار وآراء تحمل عنصرية بغيضة وطائفية كريهة، وبرامج الإهانة تحت مسمى «المقالب»؛ كانت هناك عدة برامج جادة حاول القائمون عليها تقديم ما يفيد المشاهد ويضيف إليه جديدا، وفى مقدمة تلك البرامج، برنامج يحمل اسم «عباقرة العائلات»؛ استضاف البرنامج فى كل حلقة أسرتين؛ تتنافسان معا فى تحقيق النقاط، ولأول مرة؛ بالنسبة لى، أشاهد أسرة بكامل أفرادها، يشتركون معاً ويصيرون فريق عمل واحدا، وقد رأينا مستوى راقيا من الحوار والحب والديمقراطية بين أفراد الأسرة، هناك رب الأسرة والأم والأبناء أيضا، ولا أحد يتجاوز رأى الآخر، وتثبت الحلقات أنه لا يمكن لفرد واحد مهما كانت مكانته أن يكون هو كل شىء، بل يستطيع الصبى أو الفتاة أن يقدم إضافة مهمة تنقذ الأسرة وتدفع بها إلى الأمام.

لقد ظلمت الأسرة المصرية إعلاميا فى السنوات الأخيرة ولم تعد تظهر إلا فى صفحات الحوادث وباب الجريمة من الخيانة الزوجية إلى العنف داخل الأسرة الذى يصل حد القتل، وبات ذلك هو المظهر والوجه الوحيد للأسرة الذى يقدم إعلاميا، لكن هذا البرنامج يقدم الجانب الآخر وهو الجانب الغالب، الأسرة المترابطة المتحابة والمكافحة فى سبيل تحقيق مستوى كريم ولائق فى الحياة والكد فى سبيل تربية أبنائها وبناتها وتوفير مناخ صحى لهم يمارسون فيه هواياتهم ويتلقون أفضل المتاح فى التعليم والمعرفة؛ هذه الأسرة هى عماد المجتمع والتى ضمنت له التماسك والاستقرار فى السنوات العصيبة التى مرت بنا، ومن أسف أن هذا الجانب يتم تغييبه إعلاميا ودراميا جريا وراء المثير، ومن أسف أيضا أن المثير غالبا هو الغريب والخارج عن القانون والقواعد العامة فى المجتمع، نحن فى «عباقرة العائلات» بإزاء حالة من رد الاعتبار للأسرة المصرية.

وفى بداية كل حلقة نرى لقطات لأفراد الأسرة فى حياتهم العادية ونسمع منهم عن حياتهم، لنجد أن الأسرة ليست جامدة كما يتصور البعض، بل نحن أمام أسر حديثة بها قدر كبير من المرونة، الزوج يمكن أن يعد هو الطعام بنفسه لأنه من هواة المطبخ أو لأن الزوجة لا تجيد طهى صنف بعينه، وأب يمكن أن يتولى هو رعاية الأطفال أثناء انشغال الزوجة بعملها، أزواج يفخرون بزوجاتهم ويقدرون ما تقوم به الزوجات، والزوجات معتزات بالأزواج وسعداء بالأبناء والبنات.

البرنامج يقدم مظهراً آخر للأسر، وهو قبول الدخول فى منافسة أو مباراة، والأهم من ذلك هو قبول نتيجة المنافسة بتسامح حقيقى ورضا، بل سعادة؛ الفائز يساند من لم يفز والأسرة التى لم تفز أو خسرت المباراة تبادر بتهنئة الأسرة التى كسبت، وتعلن أنها لم تفز هذه المرة، لكنها على استعداد للمشاركة فى جولة أخرى وبذل الجهد وتدارك القصور والسلبيات لديها؛ لم نجد أسرة تتهم المسابقة ذاتها ولا القائمين عليها ولا الأسرة المنافسة. القواعد واضحة وشفافة، الكل يمارس التسابق خلالها، برضا وسعادة، لأن الفوز الحقيقى لدى كل أسرة هو خوض المسابقة ذاتها، ترى هل تتعلم أحزابنا من تلك الأسر؟ أتمنى لو أن قادة الأحزاب المصرية تابعوا هذا البرنامج وحلقاته، وكذلك خبراء وعلماء الاجتماع.

وما يبعث على السعادة هو بروز الجيل الجديد، أقصد الذين يدرسون بالجامعات أو بالمدارس، جيل شديد الإيجابية لديه سعة اطلاع وإلمام واسع بأدوات العصر ومفرداته، يتقدمون بلا خوف وبلا تردد، يشاركون ويتقدمون، وفى حالات كثيرة كانوا هم أصحاب المبادرة، يسبقون الوالد أو الوالدة، تفاصيل كثيرة وبسيطة ترسم مشهدا بديعا للأسرة، يستحق أن نتوقف عنده ونسعد به.

لاحظت فى حلقات ذلك البرنامج أنه يحرص على طرح عدد من الأسئلة فى كل حلقة، تتيح للمشاهد أن يعرف مصر أكثر، هناك أسئلة عن مدن ومواقع مصرية كثيرة، وعن شخصيات تاريخية ورموز مصرية مهمة، وتجاوزت الحلقات خطيئة تمزيق أوصال مراحل تاريخنا المعاصر ونفى معظمها لصالح أهواء سياسية أو أيديولوجية، ما بين ثورتى 19و52 وما بين عبدالناصر والسادات، وهكذا، فى حلقة واحدة كان هناك سؤال عن الملك فاروق وعن الرئيس السادات وكتابه «البحث عن الذات» وفى حلقة أخرى سؤال عن مقولة لسعد زغلول ومرة عن إبراهيم باشا نجل محمد على وهكذا، نحن أمام حالة مصالحة مع التاريخ والتعامل معه بنزاهة وإعلاء لما هو إيجابى وتنحية الخلافات والإحن التى أحاطت بكل مرحلة، لا يعنى هذا إنكار أو إغفال اعتزاز البعض بمرحلة معينة أو شخصية محددة من رموز التاريخ، ولكن يجب ألا يدفعنا ذلك إلى طمس الشخصيات الأخرى وتشويه بقية المراحل.. باختصار تبنى «العباقرة» محاولة لتثقيف المتابع بجغرافية مصر وتاريخها وثقافتها وأدبها أيضا؛ ولم يتحقق ذلك بالمصادفة، بل هو قصد مقصود من اللحظة الأولى، ذلك أن القائمين على البرنامج لم يقتصر اختيارهم للمتسابقين على القاهرة فقط، مصر ليست القاهرة وهكذا وجدنا أسرًا متسابقة من الأقصر ومن سوهاج ومن الشرقية والدقهلية والقليوبية وهكذا.

هناك كذلك اهتمام كبير بالعالم العربى من محيطه إلى خليجه، المدن والمواقع المهمة والأحداث الكبرى التى شهدها كل بلد؛ مع اهتمام بالعالم كله.

وللعلم مساحة موجودة ربما الهدف تنمية الثقافة العلمية واعتبارها جانبا أساسيا فى الثقافة العامة التى ملأتها الشعوذات والخرافات فى السنوات الأخيرة.

البرنامج فكرة الراحل العظيم عبدالتواب يوسف، الرائد فى الكتابة للطفل، وأيضا عصام يوسف، الذى أعتبره محظوظا لكونه نجل عبدالتواب يوسف والسيدة «نتيلة راشد» أو ماما لبنى؛ ذات الصرامة الودود فى رئاستها تحرير مجلة «سمير»؛ عصام يقدم البرنامج؛ وقد يؤخذ عليه حماسه الشديد وانفعاله الحميم فى بعض المواقف، لكنه يحترم جمهوره ويحاول أن يقدم له المعلومة الموثقة، هذا هو دوره؛ ويحسب له أيضا أدبه الجم مع مصادره وتقديره لهم والروح الأمينة التى يتعامل بها مع أفراد الفريق جميعا، والنزاهة بين المتنافسين فى منح الفرص بعدالة لكل فريق، ومحاولة مساعدته للفوز.. بعض برامج المسابقات كانت تقوم على تنمية نزعة الأنانية والشر والانتهازية داخل كل طرف، من سيسبق ويغتال حق الآخر؛ ومن ثم وضع كل متسابق فى أصعب المشاعر والاختيارات، ولذا كانت سلبياتها أكثر، «عصام» يثبت لنا أن الإعلام ليس فهلوة وليس هرتلة ولا ثرثرة ولا تخويف المشاهد وإرهابه ولا التنطع عليه؛ ومحاولة اعتقاله أمام الشاشة لساعات، يسمع خلالها صوت واحد فقط؛ لا يقدم معلومة ولا فكرة ولا تحليلا، بل ثرثرة أقرب إلى الهذيان فى كثير من الحالات. باختصار الإعلام دراسة وجهد حقيقى وعمل جاد، وبعد ذلك تأتى بقية العناصر المكملة.

نتمنى فى رمضان القادم أن تتسع مساحة البرامج التى تفيد المشاهد وتمتعه أيضا، وأن تنحسر برامج النميمة وشغل المشاهد بالتفاهات.

التعليقات