الدور الغائب واعتذار للأشقاء

الدور الغائب

استفزنى خبران تلقيتهما تقريبًا فى يوم واحد، يرتبطان بغيابنا السياسى والإعلامى عما يجرى فى الخرطوم حاليًا بين المتظاهرين الباحثين عن الديمقراطية والمجلس العسكرى الذى يخطط، على ما يبدو، لوراثة البشير.

بالفعل نحن غائبون، أو مترددون فى العودة لإفريقيا عموما وللسودان خصوصًا، رغم أن مصر هى رئيس الاتحاد الإفريقى هذا العام، ورغما عن خصوصية علاقتنا بالسودان.. أتمنى أن نخرج قريبًا من معادلة التأثير الإخوانى على حركة الاحتجاجات فى الخرطوم. مصالحنا أهم. نحن لسنا ضعفاء، ولدينا تأثير مادى ومعنوى داخل جميع التيارات. ينبغى أن نتعلم من أخطاء مبارك فى إفريقيا، ومع السودان وإثيوبيا بالتحديد عقب محاولة اغتياله فى أديس أبابا عام 1995. جمد علاقات مصر، تقريبًا، مع القارة كلها.

ابتعدت عن التصريحين اللذين قصدتهما. الأول للأستاذ مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، ضمن حواره مع «صوت الأزهر»، قال فيه: «الإعلام المصرى قاعد مكسح وغائب عن الأحداث فى المنطقة، ولا نشاهده فى سوريا أو السودان على سبيل المثال، والسبب نقص الكفاءة قبل ندرة الإمكانيات».

أما التصريح الثانى فكان حول جهود الوساطة الماراثونية التى قام بها رئيس الوزراء الإثيوبى، أبى أحمد، بين فرقاء الخرطوم، وترحيبهم جميعًا بهذه الوساطة.

أبدأ تعليقى من النقطة الثانية، وقد سألت عددًا من السياسيين الذين أثق فيهم وفى خبراتهم بالملف: من كان مؤهلا عندنا من الرموز والقوى السياسية المستقلة لمثل هذه الوساطة؟. طرحوا أسماء عديدة لشخصيات دبلوماسية ونقابية وأكاديمية قادرة على ذلك.

سألتهم: هل أثر الموقف المصرى ومعه الموقف الخليجى القلق من تشرذم السودان وتفكك إرادته على غياب أى مبادرات رسمية أو شعبية للتدخل؟. لقد جمّدنا معنا الجامعة العربية. بياناتها بشأن الأزمة باهتة جدًا. لم يبادر الأمين العامة بالسفر للخرطوم، ولم يستقبل ممثلين عن أطراف الأزمة.

أما تصريحات الأستاذ مكرم، فيبدو أنه قد نسى منصبه الرفيع الذى قال عنه فى نفس الحوار إنه أهم من منصب وزير الإعلام، وتذكر نفسه فقط ككاتب صحفى مرموق يتحسر على الأيام الخوالى له كمدير تحرير للأهرام لسنوات طويلة، أيام عزها الصحفى، أو كرئيس لمجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير مجلة المصور.

فى المؤسستين كان قادرًا على إعطاء الأوامر بسفر فريق كامل للأماكن الساخنة عربيًّا ودوليًّا. أتذكر أسماءً رائدة تخصصت فى الشؤون العربية. علمت من بعضهم أنه كانت لهم أدوار سياسية بالغة السرية أيام عبدالناصر، مع الثورات العربية ومع قادة الرأى العام. قد نختلف حاليًا على مثل هذه الأدوار، لكنها تكشف قيمة الصحفيين ومدى تقدير القيادة فى هذه الأزمنة لهم.

لقد حكى لى الكاتب الصحفى الراحل يوسف الشريف، أن السيد عمرو موسى عندما كان وزيرا للخارجية، حضر إحدى الندوات التى كان يتحدث فيها الشريف عن الداخل السودانى، فأنصت له جيدا وسجل عددا من الملاحظات. وفى نهاية الندوة دعاه لكى يلقى سلسلة من المحاضرات على الدبلوماسيين العاملين فى إدارة السودان بالخارجية. ذكّرت موسى بهذه المعلومة القديمة، على هامش حفل إفطار السياسى الوفدى والوزير السابق منير فخرى عبدالنور قبل أسبوعين، فأكدها لى.

كان الشريف، رحمة الله عليه، له علاقات متشعبة هناك ونسبٌ رفيعٌ مع عائلة المهدى. وكان ضمن عدد محدود من الصحفيين، الشباب فى الستينيات، الذين لعبوا أدوارًا سياسية مهمة داخل العواصم العربية بتعليمات عليا.

سمعت من الدكتور ميلاد حنا، رحمة الله عليه، وكنت فى منزله بالمهندسين لإجراء حوار صحفى قبل عشرين عامًا، أنه نجح فى جمع الصادق المهدى مع جون جارنج فى وقت مبكر جدًا بمنزله. وأشار إلى مقعدين مجاورين لنا: «كانا يجلسان فوقهما، وأن ذلك كان تحت بصر الدولة».

كان يوسف والى مسؤولا مع آخرين عن هذه الأدوار غير الرسمية. ليته يتكلم عن ذلك. لديه الكثير من الأسرار المهمة.

من المسؤول حاليا؟ لا أدرى. نقوم بدور استطلاعى وأمنى رائع فى محيطنا الحيوى، ولكن ماذا عن الأدوار السياسية.. ومن المؤهل لها؟

أعود ثانية للأستاذ مكرم، ولكنى أخاطبه بصفته الرسمية، وأسأله: هل تستطيع أن تغير خريطة البرامج على الفضائيات الرسمية أو الخاصة لتعطى وقتًا أكبر للسودان أو سوريا؟، لماذا لا تأمر بسفر عدة فرق إعلامية، من الصحف والفضائيات، للمناطق الساخنة فى ليبيا واليمن والسودان وسوريا، على أن تخصص لهم الموارد المالية المناسبة؟.. أعتقد أن ميزانياتكم تسمح بذلك. ولكن السؤال الأهم: هل من سلطاتك الواقعية، وليس الشكلية والقانونية، أن تنفذ ذلك؟.. الإجابة معروفة يا سيدى!.

قبل سنوات معدودة، كنا فى الصحافة المستقلة ومعنا الفضائيات الخاصة ندير هذه المسألة جيدًا مع بزوغ حركات الربيع العربى، وسخونة الأوضاع فى عدة دول عربية. كنا ندبر الموارد المعقولة. حاولنا أن نواصل عمل الرموز من الزملاء فى الصحف القومية. لمعت أسماء شابة من صحيفتنا أو الصحف المنافسة. قدموا تغطيات مذهلة من قلب ثورات وحروب عربية. من ينسى شيماء عادل وصفاء صالح ووائل ممدوح ومحمد طارق ومحمد البحراوى وسارة نورالدين ومنى مدكور وأحمد العميد. معظمهم نال جوائز محلية ودولية على موضوعاتهم. الآن، هناك رغبة قوية فى الانكفاء على قضايانا الداخلية. لدينا قيود قوية على سفر الصحفيين لهذا الأماكن، وهناك أيضًا تقييد على نشر المتابعات العربية. والنتيجة أننا تركنا الرأى العام للإعلام الأجنبى يحركه وفقًا لأجنداته الخاصة، واكتفينا نحن بإنتاج الدراما والأغانى.

هذا هو الواقع أستاذ مكرم. بالفعل «ندرة الإمكانيات» ليست هى السبب الوحيد، هناك عقبات موضوعية أخرى وراء غيابنا عن الأحداث الساخنة.. ليتكم تتدخلون لتذليلها.

اعتذار للأشقاء

حكت لى زوجتى وكانت بصحبة والدتها فى فرع لأحد البنوك شرق القاهرة الشهر الماضى أن رجلًا مصريًّا يبدو من هيئته أنه ميسور الحال تطاول على شاب سورى فنال ما يستحقه. جلس المصرى على مقعد داخل البنك، كان يشغله السورى قبل أن يقوم للاستفسار عن أمر ما، كانت هناك مقاعد أخرى شاغرة. لم تجد كلمات التوضيح والشرح من الشاب السورى أى صدى عند المصرى، الذى بدأ فى السب والتطاول بحق الشاب. كل ذلك وسط صمت وضيق من الحضور وموظفى البنك، ولكن عندما وصل لمعايرته بترك بلده أو الهروب منها، وأنهم- السوريين- حِمل ثقيل علينا، بدأ قصفه من الجميع. اعتذر الحضور للسورى الذى لم يبادر بالرد ولو بكلمة واحدة، تدخلت إدارة البنك.. طلب الحضور من المصرى المغادرة من الفرع ردًا على أسلوبه الخشن. عرفت الدموع طريقها لعيون عديدة تابعت الواقعة، خاصة من السيدات. تذكرت هذه الواقعة، التى تكررت كثيرًا للأسف فى الفترة الأخيرة، وأنا أراقب بسعادة حملات القصف المليونية للمحامى سمير صبرى، بسبب بلاغه الغريب للنائب العام حول مصدر مليارات السوريين التى يستثمرونها فى مصر.

خطورة مثل هذا البلاغ أنه يأتى فى توقيت حساس، تركز فيه الحكومة على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتترك محاميًا محبًا للشهرة يفعل عكس ذلك. أمر آخر يتمثل فى أن البعض يحسب نفسه على الدولة الرسمية أو أجهزة معينة فيها. يقدمون بلاغات عند الطلب، يستهدفون أسماءً ومؤسسات وجهاتٍ بعينها لأهداف محددة عند الضرورة. عانيت شخصيًا من هؤلاء.

البلاغ ضد السوريين تم فهمه من البعض، وفقًا لهذا السياق. وكان ينبغى أن يصدر أى تعليق رسمى أو شبه رسمى يمنع هذا الخلط. الصمت فى هذه الحالة خطيئة كبرى.

التعليقات