إعادة اكتشاف السياسة

السياسة بالنسبة للبعض هي جلسة سمر على (حجر معسل) ومشروبات دافئة، أو ربما هي (فشة غل) وصياح وشعارات زاعقة. وهي في بعض الأحيان وراثة أو تأثر بالجوار، وقد تكون أيضا سباحة في عالم من الألغاز والمصطلحات المضطربة الصعبة على الفهم، أو غير المفهومة تماما. وفي حالات أخرى هي مهمة جادة تتعلق بتغيير العالم.

السياسة هي علم جاد وخطير لأنه يتعلق بالمستقبل وبالتغيير. مستقبل العلوم والتكنولوجيا سياسة، مستقبل نظم الحكم سياسة، مستقبل العلاقات بين الدول سياسة. السياسة لا تتعلق بالماضي، إنما تتعلق بالمستقبل. موضوع الماضي هو التاريخ، وموضوع الحاضر هو الإدارة، اما السياسة فإن موضوعها هو المستقبل.

العصر الذي نعيش فيه يصدمنا كل يوم بحقائق جديدة، بعضها يزلزل كل المسلمات التي تربينا عليها، وبعضها يسقطها تماما. التطورات التكنولوجية تتسارع بمعدل يتجاوز بكثير قدرة الظواهر الأخرى على التطور.

العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والدول في حقول الحياة المختلفة تتعرض الان لصدمات هائلة تدفعنا إلى ضرورة التفكير بمعدلات اسرع، ومحاولة فهم التغيرات التي تعصف بالعالم. الخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي الكف عن البدء من أحكام مسبقة على الأشياء والعلاقات، والخطة الثانية هي الكف عن عبادة المسلمات وما نعتقد أنه قوانين راسخة لا تتغير، باستثناء ما لا نعرفه وما هو وراء العالم الموجود بالفعل، أي باستثناء الإيمان بوجود إله واحد فيما وراء كل هذا الوجود.

لذلك فنحن في حاجة إلي إعادة اكتشاف السياسة.

إنني قدمت سابقا كتاب (كيف تموت الديمقراطيات) :
How Democracies Die, What History Reveals About Our Future
من تأليف عالمي السياسة الأمريكيين Steven Levitsky و Daniel Ziblatt  وهما من أساتذة علم الحكومات في جامعة هارفارد. الكتاب يناقش سؤالا لم يكن أحد يتوقعه، لانه يتعلق بمصير واحد من اقوى وأقدم الانظمة الديمقراطية في العالم. ومع أن الإستنناج النهائي الذي توصل إليه ليفيتسكي وزيبلات يقول بأنه ما يزال في الإمكان إنقاذ النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة من الضياع، فإنه لا يستبعد أيضا انهيار هذا النظام وسقوط مكوناته الواحد بعد الآخر. هذا الاستنتاج يجعلنا نشك كثيرا في الدوافع الحقيقية للمؤسسات الأمريكية التي تقف وراء حركات أو جماعات تطالب بالديمقراطية، مثل تلك التي تقود نضالا شرسا في هونج كونج حاليا.

اليوم اقدم كتابا آخر يبحث في ظاهرة ما يسمى (الحكام الأقوياء). الكتاب من تأليف عالم السياسة البريطاني آرشي براون  Archie Brown الأستاذ غير المتفرغ في جامعة أكسفورد، وعضو الأكاديمية البريطانية. الكتاب بعنوان :
The Myth of the STRONG LEADER, Political Leadership in the Modern Age

هذا الكتاب يتعرض لظاهرة ما نسميه في علوم السياسة والاجتماع والتاريخ في الثقافة العربية (المستبد العادل)، وهو يركز على دراسة أنماط القيادة السياسية في العصر الحديث، منذ فترة ما بين الحربين العالميتين إلى الآن. وعلاقة هذه الأنماط بالازمات ومفترقات الطرق الرئيسية التي مر بها العالم حتى نهاية الحرب الباردة.

في هذا الكتاب إستنتج آرشي براون أن الإنقلابات العسكرية كانت مسؤولة عن ثلاثة من كل أربعة انقلابات على انظمة ديمقراطية في العالم. بينما في فترة ما بعد الحرب الباردة فإن معظم الإنقلابات على أنظمة ديمقراطية جاءت من جانب حكام منتخبين، جاؤوا إلى الحكم عن طريق صناديق الإنتخابات. هو طبعا يذكر مثال هتلر في فترة ما بين الحربين، لكنه يذكر أمثلة كثيرة في الفترة التي نعيشها حاليا، منها جورجيا والمجر ونيكاراجوا وبيرو والفلبين وبولندا وروسيا وسيريلانكا وتركيا واوكرانيا.

هذه الإنقلابات على الديمقراطية تمت باستخدام وسائل وأدوات (ديمقراطية)، وهو ما يعني ان النظام الديمقراطي بمكوناته المعروفة مثل الدستور والمجالس التشريعية وصناديق التصويت ليس محصنا، بل إنه بكل هذه المؤسسات نظام قابل للكسر. نعم النظام الديمقراطي قابل للكسر، والأكثر من ذلك انه أيضا يقبل التلاعب به من داخله، واستخدامه لتحقيق غايات (غير ديمقراطية).

في الكتاب يناقش براون أيضا العلاقة بين النظام السياسي وبين نمط القيادة. ويشير إلى الأنماط التي افرزت عصبة من أسوأ قيادات العالم، مثل النظام الشيوعي الذي افرز ستالين، والنظام النازي (الاشتراكي القومي) الذي افرز هتلر، والنظام الفاشي الذي أفرز موسوليني. وقد تعرض لازمة السويس في عام 1956 ورفض وصف أنطوني إيدن لجمال عبد الناصر بأنه "زعيم فاشي" ، وقال إن عبد الناصر كان زعيما قوميا في وقت سيطر فيه التيار القومي على وجدان الناس في العالم العربي كله وليس في مصر فقط.

آرشي براون في كتابه عن (خرافة الحاكم القوى) يفتح ملف إعادة اكتشاف السياسة. كل ما تعلمناه يحتاج إلى المراجعة الجادة بعقلية مفتوحة، تنظر للأمام إلى المستقبل، سعيا لفهم متطلباته، وليس إلى الماضي برغبة للانتقام منه.
براون يقدم في كتابه دراسة رائعة عن أنماط القيادة في العالم، أظن أنه يسهم أيضا في تخصيب افكار من يبحثون عن طريق ل (إعادة اكتشاف السياسة).

الكتاب أصدرته دار النشر VINTAGE عام 2014 واختاره بيل جيتس ليكون (كتاب العام) عام 2016، وصدرت طبعته الثانية عام 2018.

التعليقات