مصر مازالت تنتظر يوم الأحد..

استدعى أحدهم مشهداً من مسرحية " المهزلة الأرضية" للمبدع الرحل د. يوسف إدريس، يدور خلاله الحوار التالي بين طبيب نفسي، وبين من يفترض أنه مريض:
الطبيب :تقدر تقولي النهارده إيه ؟؟
المجنون : النهارده السبت يا دكتور
الطبيب: و بكره ؟؟
المجنون: بكره السبت برضه يا دكتور
الطبيب: طيب وبعده ايه؟!..
المريض: بعده السبت برضه يا دكتور...
الطبيب: يعني النهارده السبت و بكره السبت وبعده السبت برضه .... أومال الحد ييجي إمتى؟!!
المجنون: الحد ييجي لما نحس إن النهارده اختلف عن امبارح
لما نحس إن الدنيا اتقدمت بينا خطوة
لما عدالة النهارده تبقى أكتر من عدالة امبارح
لما نحس إن ظلم النهارده أقل بكتير من ظلم امبارح
لما نحس إننا لاقيين مكان في أتوبيس
لما نحاسب الوزير و هو لسه وزير
لما نحس إننا اتقدمنا خطوة ......ح ييجي الحد يا دكتور !!
حوار الطبيب النفسي والمريض، حول الزمن، يقطع بأن مقياس الزمن ، هو قدر الإنجاز او التغيير او التحول، وبأن من لا ينجزون ولا يغيرون ولا يتغيرون، زمنهم قد توقف!!.. هل تعرفون معنى أن يتوقف الزمن بالنسبة للإنسان؟!.. معناه أنه مات.
قالت ابنتي عندما استوقفها حوار الطبيب النفسي والمريض : عناوين مشاكلنا منذ نصف قرن لم تتغير، ومحاولات حلها هي ايضا لم تتغير، هناك من يصر على استخدام وسائل قديمة لحل مشاكل مزمنة، والنتيجة مشاكلنا قائمة وحلولنا عاطلة....!
ما لفت نظر ابنتي هو اننا ما زلنا رغم عشرات السنين، نعيش نفس المشاكل التي اعتبر المريض أن حلها شرطاً للانتقال من يوم السبت الى يوم الأحد، لكن اللافت ان المريض كان يرى اننا واقفون في مكاننا، اي ان مشاكلنا على حالها بلا حلول، لكن الحقيقة أكثر قتامة مما اعتقد المريض، وَمِمَّا أزعج ابنتي، فنحن نرجع بسرعة الى الخلف، ومشاكلنا في الحقيقة تكبر، والدول من حولنا تمشي، بعضها يقفز، والآخر يهرول، بينما نحن وقوف في آحسن الأحوال. ولو جربنا التفتيش في ارقام ومؤشرات ( زمن كتابة النص ) حين كتبه المبدع الراحل يوسف ادريس في عام ١٩٦٦، وحاولنا مقارنتها بالأرقام والمؤشرات، فقد تحملنا الصدمة على الانتحار.
في عام ١٩٦٦ كان عدد سكان مصر قد جاوز الثلاثين مليوناً بقليل،وكانت حصتهم من المياه أغزر، ومن المحاصيل أوفر، ومن السكن أفضل، ومن التعليم والرعاية الصحية أحسن، ومن الأمن والأمان أعلى..... وهكذا كان الوضع العام للوطن، والخاص لكل مواطن، هو أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم، ومع ذلك اعتبر المريض في مسرحية المهزلة الارضيّة،ان الزمن متوقف ، وان يوم السبت لا يغادر مكانه، وان يوم الأحد لا يصل أبداً، بينما كان شاعرا وفنانا مثل حسين السيد يرى اننا نسبق الزمن بالانجاز فنعيش بعد غد في الغد، ويقول في احدى أغنياته عن السد العالي:
بعد شوية العمال هتفوا: يوم الاثنين بكرة يا جدعان
عم أبو خالد جاي يزورنا .. ويبارك أكبر خزان
قرب جنبي أبو نار قايدة .. قال ياخبيبي هنا في غلطة
بكرة موس الإتنين ياخبيبي بكرة دي يبقى يوم الخد
رد عليه جدع أسمر عترة قال ياخواجة دي بلد السد
بص يمينك عرق العافية .. شوف إزاي بينقط صهد
بص شمالك شوف ضوافرنا .. في الجرانيت لها جذر ومد
هنا أهوه الوقت بيسبق روحه .. والبنا ماشي قبل الهد
علشان كده قربنا وجبنا .. يوم الإتنين قبل يوم الأحد!!!
هي بالقطع مبالغات شاعر، لكنها ذات دلالة على وجود حالة ما لأمة كانت تريد ان تسبق الزمن، لكنها تعثرت بشدة في العام ١٩٦٧.

كل ذلك حدث في زمن كتابة مسرحية ( المهزلة) عام ١٩٦٦ ، أي قبل هزيمة ١٩٦٧، في وطن كان يفترض انه يعيش ذروة الأمل، فما بالنا بالمشهد اليوم، بعد ثمانية واربعين عاماً من هزيمة كاملة، وبعد نحو اثنان وأربعون عاماً من نصف انتصار في اكتوبر ١٩٧٣، وبعد نحو واحد وثلاثين عاماً منذ الانسحاب الاسرائيلي من سيناء؟!..
بعد هزيمة ١٩٦٧ رفعنا شعار " ازالة آثار العدوان" وأمضينا قرابة نصف قرن حتى يومنا هذا، ونحن نزيل آثار العدوان، دون أن نفلح في تحقيق المهمة بشكل نهائي، فتراجع مستوى الخدمات العامة في مصر ، مقارنة بالجوار العربي، هو أحد آثار العدوان، وتراجع مخرجات التعليم، هي أحد اثار العدوان، وتدني مستوى الرعاية الصحية هو أحد اثار العدوان، والاعتلال الذي اصاب نمو المشاركة الشعبية، هو ايضا احد اثار العدوان، وتراجع دور القوى المدنية في عملية اعادة بناء الدولة الحديثة، هو ايضا أحد اثار العدوان، أما حالة الاستنفار الأمني والعسكري مع تزايد التهديدات المحدقة بالوطن فهي كذلك أحد اثار العدوان، ولهذا فالطبيعي بعد نصف قرن من رفع شعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" أننا ما زلنا نبرر تراجع المشاركة السياسية بنفس المبرر، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، مع كل ما يستدعيه هذا الشعار من مستلزمات تفعيله، وفق نظرية " الشيء لزوم الشيء".
بعد قرابة نصف قرن من هزيمة يونيو ١٩٦٧، هل ما زلنا أمة مهزومة، تنكفىء على ذاتها لإزالة ما تقول انه اثار العدوان ؟!.. أم أننا أمة في خطر تحدق بها التهديدات من كل صوب وحدب، ويتربص بها المتربصون عند المنعطفات التاريخية؟!..أم أننا أمة مأزومة لم تحسم بعد خياراتها بشأن المستقبل؟!..
الإجابة عن السؤال ليست سهلة كما قد يتوهم البعض، اذ كما اشرت في سطور سابقة، فان مصر، ما زالت تعاني ، بمعنى او بآخر، من اثار هزيمة يونيو في ١٩٦٧، وان انتصار اكتوبر العسكري قد فقد في ساحات السياسة نصف جوائزه، وان الطريق الى عافية وطن، يمر حتماً بعنبر الاستشفاء، حيث يتعين على هذا الوطن ان يتخلص من كل ما علق به من أسباب الهزيمة في ١٩٦٧، وان يستدعي كل عوامل الانتصار في ١٩٧٣، او ما يسميه البعض " روح اكتوبر" تلك التي تكررت محاولات إزهاقها، بأيدي أعداءنا أحياناً، وبأيدينا نحن في معظم الأحيان.
نحن أيضاً أمة في خطر، تحدق بها تهديدات بعضها يستهدف صميم وجودها، ويتعين علينا قبل اي شيء ان نحشد طاقاتنا كلها، لمواجهة الخطر، وللتغلب على التهديدات.
عملية الاحتشاد، هي ما يجري طول الوقت منذ ٣٠ يونيو ٢٠١٣، لكنه احتشاد معنوي، او تعبوي، يعنى بالكم ( جماهير المليونيات) أكثر مما يعنى بالكيف، ( وعي الجماهير بالهدف الذي يحتشدون خلفه، ومدى جاهزيتهم لإنجازه). وهذا ما يقودنا الى الاحتمال الثالث، وهو أن نكون أمة مأزومة، وليست مهزومة، أي أننا أمة في أزمة، وهذا قد يبدو في ظاهره أخف التشخيصات وطأة، وان كان أثقلها في جوهره.
الأمة المأزومة، هي أمة فاقدة للرؤية، تعتقد في أغلب الأحيان، أنه ليس أمامها سوى خيار وحيد،اما ان تقبله، او تقبل عليه، وأما ان تموت في مكانها؟!..
الأمم التي لا تملك رؤية لذاتها، ليست فحسب بلا أمل في الغد، لكنها ايضاً بلا قيادة، فمهمة القيادة عند المنعطفات التاريخية الحاسمة التي نحن بإزائها، هي " صناعة الخيارات وإنتاج البدائل" وليس فقط التشمير عن السواعد والاندفاع باتجاه خيارات تعتقد انها وحيدة ولا بديل لها.
امتلاك الرؤية، يسبق بالضرورة، صناعة الأمل، وبناء الاحتشاد حوله، وهذه الرؤية لن يمد القائد يده الى السماء فتعود بها، لكنها عمل النخبة، والنخبة هنا ليست كل من أحسن التنطيط بين الفضائيات، والانتقال بين الاستديوهات، وإنما كل من يستطيع بالعلم وبالخبرات وبالارادة ان يكون شريكاً في صناعة الأمل، وفي بناء الاحتشاد الجماهيري حوله، لحمايته، وللعمل على انجازه.
مصر التي وضعها يوسف ادريس في حالة انتظار مشروط ليوم الأحد، واصرار عنيد على عدم مغادرة السبت قبل ان تتحقق شروط المغادرة، عليها ان تذهب هي بنفسها الى يوم الأحد، فالزمن لا يأتي إلينا الا بمقدار من نبذله من جهد و ما نمتلكه من علم، من أجل الذهاب اليه... لا تنتظروا يوم الأحد.. إذهبوا اليه.

التعليقات