الإحساس بالوحدة.. اختيارى أو إجبارى

إما إنك بمفردك ولا تجد أحدًا حولك، أو أن كل الناس حولك، لكنك تهبط بمشاعرك إلى القاع؛ فتحس بقساوة الوحدة والألم.

كل إنسان، فى وقت ما من حياته يُحس الوحدة، قد تحس بالكآبة والتعاسة.. خاصة وأنت ترى الآخرين سعداء، فى صحبة بعضهم البعض يثرثرون ويضحكون.

لست مرغمًا على أن تعيش وحيدًا، أو أن تُجبر على أن تحس بالوحدة، إلا إذا كنت صاحب فلسفة معينة تجعلك تنكفئ على ذاتك.

وقد يكون الإحساس بالوحدة مقرونًا بشعور اضطهادى أو حقيقى، بأنك غير مرغوب فيك، إما لأنك تسلك سلوكًا مُنفرًا، أو أنك لا تستحم، أو لأن لك عادات سيئة، هنا إذا أردت التخلص من هذا الشعور فعليك بالتخلص من الأسباب.

يرى البعض أن الشعور بالوحدة نوع من الألم الاجتماعى، قد يدفعك لأن تبحث عن ارتباط بالناس، وقد يكون عجزًا فى التواصل مع الآخرين، أو خوفًا من الحميمية، أى الاقتراب من الآخر وتبادل الكلمات والمشاعر معه، أما الاختلاء بالنفس فهو عزلة مختارة للتأمل وإعادة الحسابات، والراحة من ضجيج المجتمع، وإيقاع الحياة السريع، ويختلف ذلك عن عزلة المريض عقليًّا الذى يجبره مرضه على ألا يرى أحدًا، وعدم قدرته مطلقًا على التواصل مع الآخرين.

أثبتت علوم الاجتماع أن الإحساس بالوحدة موجود فى كافة أطياف المجتمع، موجود داخل العش الزوجى حتى لو كان مُغردًا، وفى داخل المؤسسات الإدارية، حتى لبعض الناجحين عمليًّا. يقول توماس وولف «إن حياتى ترتكز على اعتقادى بأن الشعور بالوحدة ليس نادرًا ولا ظاهرة غريبة، إنه الحقيقة المؤكدة للوجود الإنسانى».

إنه حالة عامة يُحسها كل الناس، قد يكون ذلك الشعور مؤقتًا بعد حالات الفقد لحبيب أو خطيب، أو فى حالات فقدان عزيز.

إن الحياة محدودة ومن ثم فإن التواصل المستمر بلا هوادة مستحيل، لأن التوقف مُهم جدًا.

فى حالات موت العزيز ننعى أنفسنا، لأننا سنعيش بدونه، ولأننا اعتمدنا عليه إنسانيًّا وعاطفيًّا، وكذلك حالة تغيير مكان السكنى أو الانتقال إلى عمل آخر أو بلد آخر.

المصريون من أكثر الناس إحساسًا بوحشة الغربة، مع الحنين الجامح إلى الوطن بكل معانيه هوائه، نيله، طبيعة التعامل البشرى المتفردة، وكذلك الفول والطعمية والمانجو التى بمجرد شم روائحها تنتعش الأحاسيس وتتوهج الحواس ولا يحل محلها- أبدًا- التواجد فى مطاعم أو تجمعات للمصريين فى الخارج، لأن هذا البلد- مصر- خصوصيته تنادى على البعض وكأنها (النداهة)، بينما قليل من الناس يموت فيهم هذا الإحساس تمامًا ويعتبرون أنفسهم «أمريكان أو إنجليز»، لكن تفضحهم بعض الأفعال والتعبيرات، التى تؤكد أن هناك فى أعماقهم شيئًا حيًّا اسمه الشوق إلى الزحمة والتجمعات.

فى حالات محددة يصبح الشعور بالوحدة مُعديًا كمرض بين مجموعات بعينها، وقد يكون ذلك بسبب خلل إدراكى أو معرفى يؤدى إلى إحساس مزمن بالوحدة، يزيد مع الهَمّ والغمّ وعذابات الأيام وكأنه تتابع سقوط قطع الدومينو.. ما إن تسقط واحدة حتى يسقط الصف كله.

ما إن دخل الإنترنت حياة الناس حتى غيرها تمامًا. إن التواصل عبره تواصل زائف.

الإنترنت بكل حواشيه يملك إغراءً شديد الخطورة، بحيث من الممكن أن يستولى عليك تمامًا، بل إنه يأكلك، إنه غيور ولن يسمح لك بالراحة أو بالاختلاط مع الناس أو بممارسة الرياضة، أو بالسفر، تلك المتعة الكبرى، التى قد تكون فيها بمفردك لكن العالم كله سيكون أمامك بتاريخه، بشوارعه، بمطاعمه، وبتفاعلاته، إنها تجربة تجعلك تحس بالحرية فى وجودك فى عالم آخر غير عالمك، وفى هذا شحذ لطاقتك ولهمتك.
"المصري اليوم"

التعليقات