الصمت الرهيب

سيمر اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل مرور الكرام، لأن الواقع العربى يقول إن النظم الحاكمة والشعوب فى وضع لا يسمح لها بالتأثير فى القرار الأمريكى وحتى المظاهرات التى شهدتها بعض الدول وبعض الأماكن غير قادرة بمفردها على قلب المعادلات السائدة على الساحة العربية والدولية.

لقد صمتت النظم العربية على قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس، حتى لو أصدرت بعض البيانات الباهتة لإبراء الذمة، كما لم تسمح كثير منها لشعوبها بالتعبير عن رفضها للقرار.

فلا يزال كثيرون يتذكرون ردود الفعل الشعبية الواسعة عقب اشتعال الانتفاضة الثانية فى عام 2000 وكيف تأثر الشارع المصرى بصورة الطفل الشهيد محمد الدرة، الذى قتلته قوات الاحتلال الإسرائيلى، وفرض ضغط الشارع على الإعلام الرسمى الانحياز بشكل كامل للانتفاضة الفلسطينية وعدم عدائه للتحركات الشعبية، وحاول مبارك أن يستفيد منها فى علاقته بأمريكا وإسرائيل والضغط عليهما لتقديم تنازلات من أجل إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وبناء دولتها المستقلة وعاصمتها القدس، وعبر الرجل أكثر من مرة عن تعاطفه مع المظاهرات الشعبية، ولم يخشها رغم أنها ضمت مئات الآلاف من المتظاهرين وانتشرت فى مختلف المدن والجامعات المصرية.

والمفارقة أن الوقفة الاحتجاجية المحدودة أمام نقابة الصحفيين، والتى شارك فيها بضع مئات انتهت بتوقيف شخصين، ومنعت كل المظاهرات، ولم نر فى مفارقة محزنة إلا طلاب الجامعة الأمريكية يتظاهرون بكل حرية ضد قرار البلد الذى يتعلمون داخل جامعته، وهو ما لم يكن متاحا لطلاب الجماعات المصرية ولا حتى للناس فى التعبير عن رأيهم ولو بارتداء الكوفية أو رفع الأعلام الفلسطينية.

الورقة الشعبية الداخلية والرأى العام الداخلى ورقة استخدمتها النظم العربية السابقة لأنها كانت حريصة على تقديم حل ولو شبه عادل للقضية الفلسطينية قائم على الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، ومع الانهيار والفشل المتتالى الذى عرفه الواقع العربى، وتعمق أزماته الداخلية ومعاناة كثير من شعوبه من قيود سياسية وقهر اجتماعى، وتدهور علاقاته بدول جواره «الإسلامية» لا الإسرائيلية تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ولم يعد حتى مسموحا للشعوب فى كثير من الدول العربية بأن تعبر عن رفضها القرار الأمريكى.

يقينا هناك مواقف مضيئة، وعلى رأسها موقف شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذى رفض استقبال نائب الرئيس الأمريكى (وأيضا البابا تواضرس الذى اتخذ نفس الموقف) وأصدر بيانا رصينا لم يدع فيه لا لحرب ولا دماء، إنما وصف الموقف الأمريكى بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بأنها: «خطوة متهورة باطلة شرعًا وقانونًا، كما نؤكد أن الإقدام عليها يمثل تزييفًا واضحًا غير مقبول للتاريخ، وعبثًا بمستقبل الشعوب، لا يمكن الصمت عنه أبدًا ما بقى فى المسلمين قلب ينبض».

صحيح أن خطاب الأزهر كان يجب ألا يقصر حديثه على المسلمين فقط (مع تفهمنا أنه إمام الأزهر) إنما للإنسانية والعدالة طالما موجه للعالم كله، إلا أنه سيبقى موقفا مشرفا.

أتمنى أن تستطيع الشعوب العربية تغيير جانب من المعادلات الدولية الحالية، سواء بنضال أهالى القدس أنفسهم، الذين قدموا نموذجا عظيما فى التضحية والمقاومة وباقى أبناء الشعب الفلسطينى، ومعهم كل شعوب العالم التى تدافع عن قضية عادلة خذلها حكامها منذ عقود.

التعليقات