سخونة أزمة الدولار تُلهِب شتاء العراق

ما زال الترقب مصحوباً بالحذر يسود الشارع العراقى.. أجواء شتاء بدأت تنذر بسخونة تطور الأحداث يغلب عليها هذه المرة الدوافع الاقتصادية.
 
حجم السخط والاحتجاجات وضعت رئيس الوزراء العراقى شياع السودانى أمام عدة تحديات داخلياً ودولياً، فهو يسابق الزمن من أجل الحد من تفاقم أزمة انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار وتوابع الارتباك والفوضى التى تخيّم على الحياة الاقتصادية مع ارتفاع الأسعار وجنون الغلاء تحديداً وأن الإجراءات التى اتخذها لم تؤت ثمارها.
 
بالإضافة إلى تضاؤل فرص التعويل على زيارته القادمة إلى واشنطن سعياً لحلول.. إذ لم يقابل طلب السودانى للرئيس الفرنسى ماكرون التوسط لدى الرئيس الأمريكى بايدن لتخفيف الضغوط المفروضة من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالى على البنوك العراقية بالحماس المنتظر من الجانب العراقى.
 
كما لم يفض اللقاء الذى تم الأسبوع الماضى بين مسئولى هذه الجهات وأطراف عراقية إلى تخفيف الجانب الأمريكى للقيود المفروضة على البنوك العراقية لمنع تدفق تحويلات التفافية من دول إقليمية لوكلائها فى المنطقة.
 
إذ فرضت الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالى على البنوك العراقية نظام مراقبة يهدف إلى الحد من استخدام النظام المصرفى العراقى لتهريب الدولارات إلى دول إقليمية.
 
على الصعيد الداخلى، تصاعد التجاذبات بين السودانى وقوى الإطار التنسيقى الشيعى الذى سبق لقادته، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى، أن لوحوا برفع الغطاء السياسى عن السودانى ما لم يعد لمرجعية الإطار فى التعيينات وقرارات بعينها، ما يزيد من صعوبة موقف الحكومة الحالية وضمان استمراراها، خصوصاً أن جميع قادة الإطار هى شخصيات مرفوضة من الشارع العراقى.
 
أزمة انخفاض قيمة الدينار مقابل الدولار وتأثيره السلبى على النشاط الاقتصادى قد تنذر من جديد بالعودة إلى حالة الاحتجاجات مع وجود دوافع سياسية، اقتصادية، تعصف بالبلاد.
 
رغم كل محاولات السودانى طمأنة الشارع العراقى عبر سلسلة تصريحات عن عودة الدينار لسابق عهده، إلا أن خطوات الإصلاح لا تتحقق فقط بالتصريحات الإعلامية.. فالوعود لم تأت بثمار ملموسة تخفف من زخم الدعوات إلى الاحتجاج من جديد.
 
حرب الدولار التى أعلنت على أثرها أمريكا قيوداً صارمة -هذه المرة على الصعيد الاقتصادى- بالتأكيد تحمل عدة إشارات، أبرزها أن واشنطن لن تسمح أن يكون العراق الرئة التى يتنفس منها اقتصاد دول إقليمية فرضت عليها أمريكا عقوبات اقتصادية.
 
فالشروط الصارمة التى فرضها البنك الفيدرالى على البنوك العراقية تلوح أن النفوذ الأمريكى فى العراق ما زال قائماً من خلال تهديد فرض عقوبات مالية.
 
كما حملت رداً على الملف الذى أضاف إلى تحديات السودانى حول وجود القوات الأمريكية -رغم الإعلان عن طبيعة عملها الاستشارى-.
 
المعروف أن الكتل والأحزاب الموالية لأطراف إقليمية نجحت فى انتزاع قرار من البرلمان ينص على خروج القوات الأمريكية بعد مقتل قائد الحرس الثورى قاسم سليمانى وأبومهدى المهندس أبرز قادة الحشد الشعبى فى العراق.
 
السودانى حاول منذ توليه رئاسة الوزارة تحقيق التوازن بين ضغوط الأحزاب والكتل الولائية من جهة، ومن جهة أخرى فى تصريحاته الموجهة إلى أمريكا مع أجواء علاقات متنافرة بين الأخيرة وإيران التى تمارس نفوذها عبر أذرعها المتحكمة فى المشهد العراقى.
 
السودانى يكرر تصريحات جميع الحكومات السابقة حول تبنى سياسة الابتعاد عن المحاور. التحدى الأكبر هل ينجح فيما عجز من سبقوه عن تحقيق ذلك لأسباب تتعلق بالشأن الداخلى أو رغبة طرف إقليمى فى سحب العراق إلى معادلة الأقطاب. هناك أكثر من طرف يريد جعل الساحة العراقية منطلقاً لتصفية أزماته سواء على الصعيد الداخلى -وهو ما تشهده أحد هذه الأطراف- أو ضمن صراعاتها الدولية.
 
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة فى تحديد مصير حكومة السودانى بعدما أصبح بقاؤها رهناً بعوامل عدة، أبرزها مواجهة أزمة ارتفاع قيمة الدولار، ونقمة الشارع من التضخم الناتج عن ذلك، بالإضافة إلى التحديات التى تضع ساسة العراق أمام مفترق طرق الاختيار بين تطبيق فعلى لسياسة الانسلاخ عن الوصاية السياسية والاقتصادية التى تفرضها عليه أطراف إقليمية.. أو العودة إلى دوامة احتجاجات تهدد بقاء الحكومة.
 
مقال/لينا مظلوم
الوطن
 
التعليقات