البدايات الآمنة

عرف العالم تجارب سياسية كثيرة، شهدت في بداياتها تحولات من مساحات مقيدة في العمل السياسى إلى نظم ديمقراطية كاملة، رفعت القيود على حرية الرأى والممارسة السياسية، والتى فُرضت نتيجة ظروف استثنائية، تعلقت بتهديدات وجودية إرهابية، مثلًا كالتى عرفتها مصر في فترة سابقة، أو نتيجة حروب أو مواجهات أهلية، مثلما حدث في كثير من دول العالم.

والحقيقة أن هناك نموذجين للتحول السياسى: الأول ثورى أو تغير فجائى غير متوقع وغير مرئى، والثانى تحول تدريجى يبدأ بإجراءات إصلاحية حقيقية تعطى مساحات آمنة للعمل السياسى، وتترك للإرادة الشعبية أن تختار من يمثلونها، ولتكن في البداية ممثلة في المحليات أو نسبة من البرلمان، حتى يتعود الناس على الممارسة الديمقراطية ويتعلموا من أخطائهم؛ بحيث يكونون قادرين على تحمل مسؤولية بناء نظام ديمقراطى.

 

 

والحقيقة أن مسألة الوسيط السياسى موجودة في كل النظم بما فيها نظم الحزب الواحد، مثل الصين التي يحكمها الحزب الشيوعى الذي تأسس منذ أكثر من قرن، ونجح عبر رحلة نضال وعمل سياسى طويلة في جذب الغالبية العظمى من الراغبين في العمل السياسى داخل مؤسساته، وسمح بمناقشة كل المشاكل المحلية داخل قواعد ومؤسسات الحزب المختلفة، من صحة وتعليم وخدمات وتطوير مدن وأحياء، ووضع قيودا مسبقة وخطوطا حمراء تحدد بشكل ضيق آليات الوصول للسلطة.

 

 

ومن هنا، فإن تعزيز البدايات الآمنة للعمل السياسى سيعنى الاتفاق على القواعد الحاكمة والخطوط الحمراء لعملية سياسية تعزز من دور الوسيط السياسى الحزبى والأهلى؛ من نقابات وروابط شعبية ومجتمع مدنى، وفى حال إضعاف هذه الوسائط يصبح هناك خطر كبير. المساحات الآمنة في العمل السياسى تخرج «غير المرئى» إلى «المرئى»، وتصبح مسارًا علنيًا وآمنًا للتعبير عنه، وتمثل البدايات لأى عمل سياسى.

 

 

والحقيقة أن مصر بحاجة لمراجعة الإطار الذي حكم حركة البلاد عقب التهديدات الوجودية التي تعرض لها الشعب المصرى في ٢٠١٣ بعد كسر موجة الإرهاب، وأصبح مطلوبًا حاليًا البحث عن نقطة انطلاق للعمل السياسى، سواء تعلقت بالمحليات، أو إعطاء مساحة حقيقية للقوى الحزبية المدنية للتحرك المستقل، بجانب تفعيل دور النقابات والمؤسسات الأهلية.

 

 

البدايات السياسية الآمنة والتدريجية خيار إصلاحى مفيد للجميع: الشعب والقوى السياسية والحكم، حتى يمكنه أن ينال ثقة الناس ويؤسس لعملية سياسية تنضج مع الوقت، بالممارسة العملية وباحترام الدستور والقانون.

المقال / عمرو الشوبكى 

المصرى اليوم 

 

 
التعليقات