المؤثرون: الحرية كلمة السر

آن الأوان أن نقف لنقيّم الظاهرة الأكثر انتشاراً على السوشيال ميديا، وهم «المؤثرون أو الإنفلونسر».. والتى أحدثت ما يمكن أن نسميه «غزواً» لعقل المواطن والتأثير فى قراراته، بل وسلوكياته واختياراته وذوقه الفنى.«البلوجر واليوتيوبر» أصبح بمثابة صديق إلكترونى بارع فى إرشاد الناس حول اختيار الأشياء بشكل منطقى وواضح أحياناً، وبدأ الكثير من المشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل فى استخدام هذا النشاط للحصول على مصدر ربح، هذا بجانب استغلالهم للشهرة.ولكن هناك آخرين يرون أن هذا المشروع مدخل مهم لعرض هواياتهم ومواهبهم والوصول إلى مجالات أخرى، مثل التقديم التليفزيونى والتمثيل وعروض الأزياء وغيرها.

وربما لا بد أن نبدأ من سبب شهرتهم، وهو آلاف أو ملايين المتابعين أى «العدد الكمى»، أما الكيف، أى «المحتوى» الذى يقدمونه، فهو يتنوع ما بين الأزياء والمكياج والطهى والطب والريجيم.. والسياسة والفن والرياضة إلخ.. وهنا أقول بكل ثقة إن كثرة أعداد المؤثرين التى ظهرت على السوشيال أدت إلى ضياع «المضمون»: على «اليوتيوب» مثلاً ستجد صراعات ومناظرات دينية تتعمّد إشعال أى موقف طائفى لتنمو القناة «الربحية» بالطبع، وستجد أيضاً أكاذيب وشائعات سياسية وفنية ورياضية تمتد إلى جميع المجالات: «النميمة والفرقعة» هى الأصل.. ونسبة المفتعل إلى الجاد نحو 10 إلى 1 فى تقديرى.. لكن التحرّر من القيود العقائدية والالتزامات السياسية وأحياناً «بعض القواعد الأخلاقية» هو الحافز الأول لدخول مجال اليوتيوب مثلاً.. وبالتالى «الحرية كلمة السر» لكل إنسان جاد يقتحم هذا المجال.

بينما على «تيك توك» يختلف الوضع، بعد أن أصبحت هذه المنصة مصدراً لتوريد قضايا الإخلال بالأداء العامة وأحياناً الاتجار بالبشر.. ويمكن إجمالاً أن تعتبر «الحرية» هنا أغلبها فى عرض مواهب محترمة مقابل مواهب كثيرة تعتمد على العرى والإيحاءات الجنسية.. لكن أغرب ما فى الموضوع أنك سوف تجد (الشعراوى، عمرو خالد، الأزهر الشريف، دار الإفتاء المصرية.. إلى جانب كل الدعاة القدامى والجدد) وكأنه شكل آخر من أشكال الصراع الخفى بين شباب هرب إلى «العالم الافتراضى» ليُعبر عن نفسه بعيداً عن الرقباء الذين بدورهم لم يتركوا فرصة «شهرة ومشاهدات مرتفعة» إلا وتنافسوا عليها.

أنا لا أدين المؤثرين فى مجملهم ولا أقبل الظاهرة على إطلاقها، لكن ما دام المؤثر أصبح يحقق دخلاً مغالى فى تقديره من «الإعلانات» فلا بد أن يتم تقييمه من خلال ربط ما يقدمه من منتج فكرى أو فنى أو إبداعى بالمنتج الذى يروج له بشكل إعلانى لمعرفة الخيوط الفاصلة بين الاثنين.

الجدير بالذكر أن أغلب المنصات الاجتماعية عمرها من عشر إلى خمس عشرة سنة. فبالتالى لم يتم اكتشاف كل الفرص التى يمكن أن تكون فيها، لأن الكثير من الشركات أصبحت تتجه إلى منصات مختلفة مثل «إنستجرام وسناب شات».والآن أصبحت أسعار الإنفلونسر فى تزايد، وربما أصبحت الظاهرة فى حاجة إلى تقنين.

فى فبراير من هذا العام أصدرت مصلحة الضرائب المصرية بياناً جاء فيه أن صناعة المحتوى تخضع لإيرادات صناعة المحتوى المرئى والمسموع والمقروء المحقّقة فى مصر أو فى الخارج، إذا كانت مصر مركزاً لمزاولة المهنة أو النشاط، فهى إيرادات خاضعة للضريبة.

وقال محسن الجيار، مدير إدارة خدمة الممولين بمصلحة الضرائب، إن من يزاول مهنة «اليوتيوبر أو البلوجر» عليه التوجه إلى المأمورية الضريبية التابع لها، وإحضار البطاقة الشخصية وعقد إيجار أو ملكية الوحدة السكنية التى يقطن بها، بالإضافة إلى المستندات التى تثبت مزاولته تلك المهنة.

ومنحهم «الجيار» مجموعة من الحوافز الضريبية المقرّرة فى ذلك القانون.. وهى مهمة قد تبدو صعبة فى ضوء الاتصال المباشر مادياً بين المؤثر والمنصات التى يتعامل معها.ما لم نحسب حسابه حتى الآن هو تأثر الشباب بالمشاهير باعتبارهم المثل الأعلى، مما يؤثر على أفكارهم وتصرفاتهم وطريقة لبسهم وشكلهم بشكل غريب.

كل شىء يتغير بسرعة شديدة: طريقة الحياة والأفكار والمعتقدات، مما يؤدى إلى تذبذب القناعات والثوابت و«استسهال النجاح».. نحن فى تحدٍّ جديد أمام منصات مفتوحة لا نملك رقابة على محتواها، (لا أطالب بالرقابة أو المنع)، لكنها تحتاج منا إلى بذل جهد موازٍ من حيث الترفيه وليس الفكر وحده.. كيف؟ هذا يحتاج إلى حديث آخر.

المقال / سحر الجعارة 

الوطن 

التعليقات