عن الشيخ دراز ورسائله

لفت نظرى فى الكلمة التى ألقاها ستيفان روماتيه السفير الفرنسى الأسبق فى مصر عندما كان يقلّد السفيرة الرائعة ندى دراز وسام الاستحقاق الوطنى الفرنسى بدرجة فارس ـ أنه أشار باحترام شديد إلى جدّ السفيرة أى إلى الشيخ الأزهرى محمد عبدالله دراز الذى حصل على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون فى فرنسا برسالته عن دستور الأخلاق فى القرآن. كانت إشادة السفير الفرنسى هدفها التنويه بأن ندى هى فرع من شجرة عائلة دراز ـ هذه العائلة التى ربطَت أجيالها المتتالية بين الحضارتين الإسلامية والغربية، فحافظَت على تقاليدها المتوارثة واستطاعت فى الوقت نفسه بطلاقة لغاتها الأجنبية ـ والفرنسية بالذات ـ أن تُقدّم صورة للإسلام المستنير المنفتح على الآخر،ذلك الإسلام الذى يبنى على المشترك الإنسانى بين كافة الأديان ويحاول أن يوظَفه فى خدمة القيم العليا:الحرية والعدالة والمساواة.

فما هى حكاية هذا الشيخ الأزهرى الذى ينحدر من أب شيخ ومن جد شيخ ؟ جزء معتبر من هذه الحكاية رواه لنا الفيلم التسجيلى الممتع الذى قدّمته لنا عائلته تحت عنوان رسائل الشيخ دراز، فلعب الأولاد والأحفاد وأبناء الأحفاد فى الفيلم أدوار البطولة، وحتى من لم يعاصر منهم الرجل فى حياته حكى عنه بانبهار وفخر، وهذا دور مهم يلعبه التاريخ الشفوى الذى تنقله الأجيال الأقدم إلى الأجيال الأحدث فتحفظ التراث وتبقى على الذكريات وتقطع الطريق على محاولات تزييف جهد السلف. ووسط هذا الجهد الجماعى، يبرز دور خاص للحفيدة نهى الخولى التى قادت مجموعة الإنتاج، وتغريد العصفورى التى ساعدَت فى الإخراج وكتابة السيناريو، وفتحى دراز والد السفيرة ندى والابن الأكبر للشيخ العلّامة الذى جمع الصحف وقصاصات الورق والرسائل التى كتبها أبوه بخط يده لأفراد الأسرة على امتداداتها، وفى إحدى هذه الرسائل نجده يهنئ جارتهم نرجس بعد أن قرأ اسمها بين الناجحات فى الشهادة الابتدائية، فنحن إزاء مدافع كبير عن حق المرأة فى التعليم إلى الحدّ الذى جعله يقول لإحدى بناته إن شرفك العلمى كله فى نَيل البكالوريا، وأظن هذه هى المرّة الأولى التى يتخّذ فيها الشرف فى بلادنا معنىً تعليميًا.هذا أخذًا فى الاعتبار أن التعليم عنده يتجاوز بكثير المعنى الضيّق ـ الذى ينحصر فى الكتب الدراسية ـ إلى ما يمكن وصفه بتعلّم فن الحياة، ففى تعليمه لأبنائه وبناته توجد الموسيقى والرسم والرياضة والسفر وتعلّم اللغات، ففى رسالة له يوصى فيها إحدى بناته بالاهتمام باللغة الفرنسية.هو نفسّه تعلم اللغة الفرنسية بجهوده الذاتية قبل أن يسافر لفرنسا عام 1936 لنيل دكتوراه الدولة، ثم سمَحت له إقامته فى فرنسا لمدة اثنى عشر عامًا بإتقان الفرنسية إتقانًا تامًا فإذا هو يتحدّث بها كأهلها. ولأن دراسته للدكتوراه فى موضوع الأخلاق كانت من منظور مقارن بين الإسلام والديانات الأخرى، ولأنه أراد قراءة الفلسفة الألمانية بلغة كتّابها ـ لا مترجمة ـ قام بتعليم نفسه اللغة الألمانية. وبالتالى فإنه عندما ذهب إلى مخفر الشرطة للتوسّط للإفراج عن الشباب المصرى الذى اعتقلته السلطات الألمانية أثناء خضوع فرنسا للاحتلال الألمانى بسبب معارضة الشباب هذا الاحتلال، راح يخاطب المسئول الألمانى ويُدهشه بهذه القدرة الفذّة على التوفيق بين العمامة الأزهرية ويحاجج الآخرين بمنطقهم وليس فقط بلغاتهم.

فى المقدّمة التى كتبها ابنه محسن لأحد كتب والده بالفرنسية، نتعرّف أكثر على حياة شيخنا الإصلاحى المستنير فى باريس، وكيف كانت شقته فى الحيّ الخامس فى باريس قِبلةً للدارسين والباحثين من كل الجنسيات ومن مختلف التخصّصات. فكنت تجد بين المترددين عليه شبابًا مازالوا فى مرحلة البحث عن بوصلة ترشدهم فى بداية اغترابهم عن بلدهم الأم، وكنت تجد فى الوقت نفسه أعلامًا عربية من الوزن الثقيل مثل الشيخين الإصلاحيين الجزائريين عبدالحميد بن باديس ومالك بن نبي. تضحك حفيدته ندى وهى تقول إن جدّها كان يقوم بعمل القنصل ليس فقط بالنسبة للمصريين كما حدث فى واقعة توسّطه للإفراج عن الشباب المعتقل بسبب موقفه من الاحتلال الألمانى، لكن كان أيضًا قنصلًا لعموم الجاليات العربية والمسلمة، فلقد قصده الشيخ بن باديس للتوسّط لدى المسئولين فى الأزهر للحصول على مِنَح دراسية للطلّاب الجزائريين.

أب لخمس بنات أنجبهن بشكل متتالٍ وأعقبهن خمس أولاد ذكور، الفارق العُمرى بين أكبر بناته وأصغر أبنائه واحد وعشرون عامًا بالتمام والكمال، وتلك ملاحظة لطيفة. واستكمالًا لهذه اللطافة وخفّة الظّل قام شيخنا الجليل بتوأمة كل اسم من أسماء بناته مع اسم من أسماء أولاده، ففتحية وسعاد وإحسان وصفيّة فى البنات يقابلهن فتحى وسعيد ومحسن وصفوت فى الذكور، وحدهما حميدة وسامى هما اللذان أفلتا من هذه الثنائية دون سبب ظاهر! عاشت عائلة الشيخ دراز الكبيرة فى فرنسا وعاصَرَت سنوات الحرب العالمية الثانية كاملةً، وتفاعلت مع الأحداث التى كانت تمّر بها فرنسا وتلك التى تتعلّق بالمنطقة، حتى إذا نما لعلمه أن هناك مسرحية تخصّ العرب أرسل إحدى بناته للتمثيل فيها. أولاده منهم مَن درس الطب أو الآداب أو الحقوق، وتفوّقوا جميعًا فى تخصصاتهم، بعضهم عاد لمصر واستقّر فيها والبعض الآخر رجع مجدّدًا إلى العيش فى فرنسا من دون ان يقطع الصلّة مع باقى العائلة.

إننا إزاء شيخ مُختَلف، ما يؤمن به من انفتاح الإسلام على غيره من الأديان يمارسه على المستوى السلوكى أو الأخلاقى، والأخلاق فى الإسلام هى بمثابة حجر الزاوية فى المشروع الإصلاحى للشيخ دراز، يقسّمها لأخلاق نظرية وأخرى عملية، والجانبان عنده يتكاملان.شيخ يملك من ناصية الإقناع ما يمكنّه من تغيير الأفكار و الأفهام، وفى الفيلم التسجيلى نموذج لأحد الشباب الذى تحوّل من التكفير إلى التفكير بعد أن قرأ أعمال الشيخ محمد عبدالله دراز .شيخ يميّزه الشعور بالاستغناء وعزّة النفس، إلى الحدّ الذى رفض ثلاث مرات تولّى منصب شيخ الأزهر بعد ثورة يوليو خوفًا من أن يفقد حريّته، وأوقف برنامجه الإذاعى بعدما جرى تغيير جملتين فى الموضوع الذى كان سيناقشه تحت عنوان الإسلام سلام وأمان .

أختّم بما قاله عنه شيخنا العلاّمة الجليل على جمعة، وهذا نصّه إن مشروعه التجديدى يتمثّل فى ما يمكن أن نقول إن محوره هو إعادة قراءة النصوص للبحث عن المُشترَك الإنسانى ويتوصَل إلى دستور الأخلاق فى القرآن، فما أحوجنا إلى مثل الشيخ الدكتور محمد عبدالله دراز ذلك العالِم المستنير الذى كانت آخر محاضرة يستعد لإلقائها فى مؤتمر بباكستان عام 1958 لولا أن وافته المنية ـ تحمل عنوان المنهج الإسلامى للعلاقة مع الديانات الأخرى، وفيها جاء أن الإسلام لا يتأنّى لحظة واحدة عن مدّ يده لمصافحة أتباع كل ملّة ونِحلة فى سبيل التعاون على إقامة العدل ونشر الأمن.

* عن الأهرام..

 

التعليقات