قصة قصيرة بقلم ياسمين الخطيب .."طظ في الرقابة !"

في نهايات الثمانينات، ذهبنا إلى مدينة رأس البر لقضاء أجازة الصيف مع أصدقاء والدي وعائلاتهم، وقد أحضر أحدهم معه جهاز فيديو ضخم، وما تيسر من أفلام ومباريات المصارعة الحرة. كان أول ما شاهدته من خلال الصندوق الفضي السحري، فيلم "شهد الملكة"، الذي جسد مُخرجه حسام الدين مصطفى بسيناريو مصطفي محرم وبهجت قمر، القصة السادسة من معجزة نجيب محفوظ "الحرافيش".
ففُتنت منذ ذلك الحين بنادية الجندي أو "زهيرة الناجي"، المرة الجبارة التي تحولت من خادمة فقيرة إلى ملكة متوجة على قلوب رجال الحارة. لم أشعر بالأسف لمقتلها على يد مُتيمها "عبده الفران - سعيد صالح" وهي تستحم إستعداداً لزفافها، فقد رأيت في قصة صعودها، انتصارا ومجدا كافيان للعزاء.
وقد أدهشني المشهد الذي طردت فيه زهيرة فتوة الحارة "نواح الغراب - صلاح قابيل" من بيتها، بعدما وبخته لعدم طرقه الباب قبل الدخول.. ارتعش قلبي وقد توقعت ان يسكعها قلم خداميني بظهر إيده على خدها المصبوع بمكياج ثقيل، لكنه لم يفعل.. خرج وطرق الباب وانتظر حتى فتحت له.. هجم عليها وقبلها قبلة مٌتلهفة مُرتبكة.. فأعلنت انتصارها بضحكة مجلجلة..

ليلتها أدركت لأول مرة بحياتي، ان للأنوثة سطوة تذل أعناق أقوى الرجال.. وإن كان فتوة حارة.

عوضني الدرس المكتسب عن تفويت عرض السيرك القومي، وتحديداً فقرة ترويض الوحوش التي يقدمها "مدحت كوتة". وكنت أحرص على حضورها بشكل أسبوعي طوال أجازة المصيف، مع كوكي ومروة وناني وميمي أبناء أصدقاء والدي..
صراحة لم يكن يعنيني من هذا الجرمأ سوى "ميمي".. يعجبني صوته الخشن وسماره وشعره المجعد المنفوخ فوق رأسه على غرار تسريحة "محمد نجم.. شفيق يا راجل"، تعجبني أيضاً جرأته على كسر القوانين الأمومية التي لا أجرأ -رغم شديد تمردي- على مخالفتها.. كنت أنظر له بإعجاب وتقدير وهو يذيع بفخر، خبر إتمامه اليوم الثالث على التوالي بدون إستحمام، بينما تعلن والدته أمام أمي وباقي الصديقات يأسها التام من إجباره على أي شيء.. أي شيء..

كم كان عظيماً هذا "الميمي".. يتلقى بمنتهى الجلد العلقة تلو الأخرى بعصاية الغلية، ولكنه لا يحيد عن موقفه، حتى أُجبرت أمه على احترام دستوره الخاص.. يستحم غمراً بماء البحر وكفى، لا يصفف شعره أبدا، يتغذى على التين الشوكي والكشري بالشطة غير مبالياً بالتبعات المرضية، ويمارس العبث أناء الليل وأطراف النهار.

لكن هوسه بلعب كرة القدم أضطرني إلى قضاء معظم أوقات اللعب مع "كوكي" الذي كان يحمل ملامح أوروبية وأخلاق عالية مملة تتماشى مع تربيته الأرستقراطية التي لم تعجبني يوماً.
ورغم اني قررت –وهذا يكفي- أن "ميمي" هو زوجي المستقبلي، إلا أن "كوكي" كان يمثل لي بشكل ما ملكاً خاصاً لا غنى عنه، كقنينة عطر فاخرة لا أحب شذاها لكن تُسعدني رؤيتها أمام مرآتي. فمصادقة ولد وسيم وثري أمر يثير غيرة البنات، ويرضي نرجسيتي، هذا بالإضافة لكونه رفيق مسلي، يجيد قيادة لوح الدلسوار رغم جموح أمواج بحر رأس البر، كما يجيد السباحة في "الجِربي" رغم ثقل مياه النيل، ومعه أبني قصورا رملية على شاطىء الشافعي، وأتنزه على اللسان وآكل المشبك وأقزقز اللب ليلاً على شاطيء (101) وأغني في الطفطف.. يلا بينا يلا.. يا حبيبي يلا..

ثم إن والدته اشترت لي عروسة ضخمة من محل الألعاب الفخم الواقع على ناصية شارع النيل، ولا أعلم حتى اليوم لماذا قمت بفقأ عينيها فور استلامها، لكني أحببت شعرها الأشقر المسترسل على  فستانها الوردي، وحرصت ان تشاركني فراشي بعينيها المفقوئتين حتى آخر الصيف، كما حرصت على معاملة "كوكي" أمام والدته برقة، على أمل أن تهديني المزيد من اللعب.

ورغم ان "كوكي" كان في "الفريندزون"، إلا أني جربت لأول مرة بحياتي نار الغيرة التي إكتوت بها وردة الجزائرية، عندما رأيت "مروة" تجلس خلفه على البسكلته، وكانت أصداء ضحكاتهما أعلى من كل أصوات الحكمة في رأسي، فخلعت لوح خشبي ضخم من التراس وانتظرت خلف العشة (الشاليه) حتى انصرف "كوكي"، ثم هويت باللوح الخشبي على ذراع "مروة" المتسلخ من أثر ملح البحر والشمس، ولم تفلح دموعها وتوسلاتها في اشعاري بمثقال ذرة من رحمة، فاستكملت العلقة التي تسببت في إختفاء مروة إلى الأبد.

جاءتنا طنط "إيفيت" خالتها ليلاً واشتكت لأمي، لكني أنكرت بإصرار وثبات عميل مخابراتي متمرس، حتى اني أقنعت أمي ان طنط "إيفيت" كاذبة وبترمي بلاها علينا.
وفي اليوم التالي، حكيت لكوكي القصة الصادقة لإرهابه، وتعمدت ان أسهب في التفاصيل الخاصة بتعذيب "مروة" وهي تتلوى من الألم على الرمال، ليعلم المصير الذي ينتظره إذا فكر في وصالها مرة ثانية.. ونجحت الخطة.

مرت الأيام، ولم تعد رأس البر كسابق عهدها، مما اضطرنا إلى توديعها إلى الأبد ومعها "ميمي" و "كوكي" وحكاياتهما، والنزوح إلى شقة العائلة بالعجمي، وأيضاً إلى الساحل الشمالي الذي لم يكن معلوم آنذاك من شواطئه التي امتدت اليوم حتى مشارف مرسى مطروح، سوى الأخوات الثلاثة "مراقيا" و"مارينا" و"ماربيلا".. وفي مراقيا رست سفينتنا لأعوام طوال.

كانت سينما مراقيا تعرض طوال الصيف كل ليلة فيلمين مافيش غيرهم، وقد شاءت وشاء لي القدر أن يكون أول ما أشاهده بسينمات الساحل، فيلم "مهمة في تل أبيب" لنجمة الجماهير نادية الجندي، أما العرض الثاني فكان لفيلم "لمبادا"، وقد أصرت أمي على مغادرة السينما والعودة فوراً إلى الشاليه، بعدما ظهرت على الشاشة الترجمة بالبنط العريض (لمبادا – الرقصة المُحرمة)!

هذه القوانين المتعسفة أفسدت علي هوسي بأفلام نادية الجندي، التي كنت أحرص على إستأجارها من نادي الفيديو الملاصق لبيتنا.. الباطنية.. المدبح.. وكالة البلح.. عزبة الصفيح.. شهد الملكة.. ذلك لأن كل أفلام الأستاذة نادية الجندي كانت لسبب غامض لا يعلمه إلا الله لابد أن تحتوي على رقصة تقدمها الأستاذة بقميص نوم.
وقد زاد الطينة بلة شغفي بأدوار نجمة مصر نبيلة عبيد، التي تنافس في القوة والبطش أدوار نادية الجندي شخصياً، ولكنها تنافسها أيضاً في الرقص والإغراء والذي منه. وعليه كانت جميع شرائط الفيديو تعرض على الرقابة المتمثلة في أمي، وهي التي تحدد المادة المناسبة للمشاهدة.

حتى عدت يوماً من نادي الفيديو بشريط فيلم "الراقصة والسياسي"، الذي قررت أمي قبل أن تشاهده انه لا يصلح ولا يصح ولا يمكن..
وبعد مناحة كبيرة لم تبالي بها، احتكمْت إلى والدي الذي قرر أن أشاهد ما يحلو لي وانه طظ في الرقابة. واحتدمت الأزمة بعدما اتهمته أمي انه مدلعني دلع ماسخ بينما أصر هو على اقصائها من منصب الرقيب، وحفظاً لماء وجهها سنت قانوناً جديداً يُلزمني بتغطية عيناي بيدي كلما عُرض مشهد خارج، بما في ذلك المشاهد التي تحتوي التقبيل والرقص بقمصان النوم.

لم يكن الإلتزام بقرارها صعب، خاصة اني كنت أتابع المشاهد الممنوعة من بين أصابعي، ولكني اعتبرت تدخلها بالإختيار والحذف في حد ذاته أمر مجحف، وقيد خانق حرصت على كسره..
وذات ليلة، عاد أبي من الخارج فوجدني أمام التلفزيون أتابع فيلم (القرداتي)، وكان المشهد لقبلة تجمع بين "سمية الألفي" و "فاروق الفيشاوي"، فقال لي ممازحاً وساخراً من القرار إياه :

"مش مخبية عيونك ليه؟ مش بوس ده؟!
فقلت لامبالية : "سمية الألفي وفاروق الفيشاوي متجوزين في الحقيقة"

أصداء قهقهته التي تلت إجابتي، مازالت تتردد حتى الآن في ذاكرتي وكأنها تقول لي :

"طظ في الرقابة.. طظ في الرقابة.. طظ في الرقابة.. "

التعليقات