خالد عزب يكتب: العرب وليس الفرس هم الذين قادوا الثورة العباسية

استقر في أذهان الكثيرين من المؤرخين، بعدم فهم من المستشرقين واتباع دون تمحيص من المؤرخين العرب، أن الدولة العباسية قامت على أكتاف الموالي من الفرس من أهل خرسان، لكن كتاب جديد صدر عن دار الشروق في الأردن للمؤرخ العراقي البارز الدكتور فاروق عمر فوزي من مجلدين، يعيد فيه كتابة تاريخ الدولة العباسية من جديد، نرى فيه تحليل تجديد مبرهن عليه من المصادر التاريخية، كاشفا عن نظرة جديدة تشير إلى أن الدعوة التي نظمها العباسيون كانت موجهة إلى عرب خراسان المقاتلة منهم والمستقرين على السواء. فقد كان هناك دعاة في قرى مرو حيث استقرت القبائل العربية وفي كل مدينة فيها حامية أو رابطة عربية. لقد أدرك الدعاة بأن العرب مصدر السلطة والقوة ال1اربة في خراسان. ومن أجل الانتصار على الأمويين كان يتحتم على الدعاة كسب العرب أولاً إلى الدعوة. ولم يفضل الدعاة في بداية الدعوة قبيلة عربية على أخرى بالرغم من أنهم حصلوا على تعضيد اليمانية أكثر من المضرية إلا أنهم كانوا يرحبون بالمضريين الذين يرغبون في الانضمام للدعوة. وقد انضم بعض الموالي إلى الدعوة إلا أن دورهم لا يمكن مقارنته بدور القبائل العربية من أهل خراسان.
ويرى المؤلف إن ظروف خراسان من حيث قبائلها وعلاقتهم ببعضهم وبالسكان المحليين والخلافة الأموية في دمشق لعبت دوراً في إيجاد الجو المناسب للثورة.  فالعرب الذين استوطنوا قرى مرو كانت لهم أسباب للتذمر ترجع إلى حرمانهم من الامتيازات التي يتمتع بها المقاتلة من العرب، كما أنهم شاركوا الموالي في استيائهم من سطوة الدهاقين ونفوذهم. على أن دكتور فاروق عمر يلاحظ من جهة أخرى أن المقاتلة العرب كانت لديهم أسباب للتذمر أيضا تتلخص في:
1- سياسة التجمير وهي إبقاء المقاتلة في الثغور وعلى خطوط المواجهة شتاءً في الوقت الذي يرغب المقاتلة في قضاء الشتاء مع عوائلهم.
2- كان الوالي يسلبهم حصتهم من الفئ والغنيمة أحياناً أو يأخذ أكثر من حقه منها أحياناً أخرى.
3- سئمت القبائل من النزاع المستمر بين الشيوخ والرؤساء الطموحين للوصول إلى السلطة حيث خلق هذا بين قبائل خراسان نوعا من القلق لدى اليمني والربعي والمضري الذين وجدوا في الدعوة العباسية أملا جديدا لحياة أكثر استقرارا ويسراً.
ازدادت ثورات المدن السورية ضد حكم مروان الثاني واشتدت مؤامرات الأمراء الأمويين ضد سلطته كل ذلك فت من عضد الدولة وفسح المجال للدعوات السرية بالعمل الفعال من أجل إسقاطها. فقد نشطت المنظمة السرية الهاشمية بقيادة أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية الذي أوصى بالإمامة من بعده إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وبهذا تحولت المنظمة إلى عباسية صرفة وضاعفت من فعاليتها في خراسان حيث أعلنت الثورة سنة 129ه سنة 747م.
أن الدعوة العباسية كانت لها واجهات عديدة حيث أنها حاولت جذب عناصر مختلفة تحت شعارات براقة متباينة وهذا في الحقيقة سر نجاحها- والذي يهم هو الواجهة السياسية للدعوة الذي برز فيه دور العرب من أهل خراسان في هذه الحركة.
تتفق أغلب الروايات التاريخية على أن خراسان فتحت أيام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وعلى يد القائد عبد الله بن عامر بين سنة 29ه/ 649م- 649م- 35ه/ 655م ولقد عقد مرزبان مرو معاهدة مع المسلمين ترك للدهاقين بموجبها تقدير الضرائب وجبايتها واشترطت المعاهدة كذلك على الإيرانيين أن يفسحوا المجال لاستيطان العرب في قراهم ولهذا الإجراء أهمية لأنه كان الأساس الذي بنيت عليه علاقات العرب المسلمين بالسكان المحليين.
ولم تكن السنوات التي تلت الفتح الإسلامي لخراسان سنوات سهلة ولا هي فترة استقرار في تاريخ خراسان خاصة، وإن الأوضاع السياسية في قلب الدولة الإسلامية كانت على غير ما يرام. على أن انتهاء الحرب الأهلية وتولي معاوية سنة 41ه/ 661م الخلافة ساعد السلطة المركزية بأن توجه انتباهها إلى خراسان. وقد قرر الأمويون إنشاء قواعد ثابتة للمقاتلة بمرو سنة 45ه/ 655م. وتتابعت عملية الاستيطان بتتابع الهجرات القبلية من الكوفة والبصرة. وبمرور الزمن أخذت بعض القبائل العربية تفضل الاستقرار والاشتغال بمهن مدنية كالتجارة والزراعة بدلا من الاقتصار على العمل في الجيش. إن هذا الاتجاه نحو الاستقرار أوجد عوامل جديدة في الموقف السياسي والعسكري واضطر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (سنة 105/ 724- سنة 125/ 743) إلى أن يأمر أمير خراسان بأن يحذف أسماء المقاتلة العرب الذين يرفضون الاشتراك في الحملات العسكرية في بلاد ما وراء النهر وتركستان ويحرمهم من العطاء. ومقابل ذلك أرسل هشام مقاتلة جدداً ممن يرغبون في القتال، وهكذا فإن الخليفة هشاما يعترف ضمناً بأن عملية الاستيطان والاندماج بين العرب المسلمين والسكان المحليين قد بدأت فعلا وبدأ العرب يألفون الحياة المدنية والاشتغال بالمهن ولا يمكن للسلطة الأموية معارضة الاتجاه الجديد بالقوة. وهذا يدل بطبيعة الحال على أن العرب المسلمين قد انقسموا إلى كتلتين (أ) المقاتلة (ب) المستقرين المستوطنين. كما أن إرسال دفعات جديدة من العرب إلى خراسان أدى إلى حدوث شقاق وتصادم بين القادمين الجدد والعرب القدماء (الفاتحين).
اتخذت عملية الاستيطان أشكالاً مختلفة ولكن المعلومات بين طيات كتب التاريخ والتراجم، والكتب الجغرافية الإسلامية لا تعطينا فكرة متكاملة عنها. والظاهر أن العرب من أهل الخراسان استقروا في مرو والقرى المحيطة بها. واستوطن العرب القرى المحيطة ببلخ كما استوطن قسم منها مدنا أخرى في بلاد ما وراء النهر بصورة مؤقتة أو دائمة. وعدا هذا وذاك فقد كان للعرب (مسالح) وهي مراكز عسكرية وقتية تتبدل مواضعها بتبدل خطة القواد العسكرية ولذلك فقد كان استقرار الجند فيها وقتيا.
لقد انتشر الدعاة العباسيون في مواطن استقرار العرب في خراسان حيث نقل إليها الإمام محمد بن علي العباسي الدعوة وأمر دعاته بأن تكون الدعوة للرضا من آل ممد صلى الله عليه وسلم وأن يثقوا باليمانية ويتألفوا ربيعة ويتوقوا من مضر ويقبلوا منهم الثقاة.
وليس من السهل التعرف على الدوافع التي دفعت الإمام محمد إلى اختيار خراسان ولكن يمكن القول بأنها كانت موطن المقاتلة العرب الذين عركتهم الحرب الطويلة مع تركستان وفي السند والذين عبروا مرارا عن تذمرهم من سياسة الأمويين المالية والعسكرية والمعلوم أن خلفاء بني أمية منذ زمن عبد الملك بن مروان (685م- 705م) ادركوا القلق وعدم الاستقرار السائد هناك يذكر كتاب أخبار العباس عن أهمية الخراسانية فيقول: ((في خراسان جمجمة العرب وفرسانها)). وقد نظم الدعاة الأوائل الدعوة تنظيما سريا محكما فكان هناك النقباء يرأسهم سليمان بن كثير الخزاعي شيخ النقباء والقائم بأمر خراسان. أما النقباء فهم اثنا عشر نقيبا:
من خزاعة: سليمان بن كثير الخزاعي، مالك بن الهيثم الخزاعي، زياد بن صالح الخزاعي، طلحة بن رزيق الخزاعي.
من تميم: موسى بن كعب التميمي، عيسى بن كعب التميمي، لاهز بن قريظة التميمي، القاسم بن مجاشع التميمي.
من طيئ: قحطبة بن شبيب الطائي.
من شيبان: خالد بن إبراهيم الذهلي الشيباني.
من بجيلة: أسلم بن سلام البجلي.
من حنيفة: مولى بني حنيفة شبل بن طهمان.
لاحظ فاروق عمر أن الأكثرية منهم كانوا عرباً. وكان هناك (نظراء النقباء) و70 داعية، كما كان هناك عدد من الدعاة المسؤولين عن تنظيم الدعوة خارج منطقة مرو.
وينبه فاروق عمر هنا أنه لابد من الانتباه إلى أن بعض الشخصيات العربية تلقبت أو نسبت إلى المدن الفارسية التي عاشت فيها مثل جديع بن علي الازدي (الكرماني) والفضل بن سليمان التميمي (الطوسي) وخازم بن خزيمة التميمي (المروزي) كما لقب عمر بن حفص المهلبي الأزدي والهيثم بن معاوية العتكي بلقب (هزار مرد) ولقد ظن بعض المؤرخين أن هؤلاء وغيرهم كانوا من الموالي.
وأكثر من ذلك فقد فسر بعض المستشرقين وتبعهم مؤرخون مسلمون في ذلك أن الاصطلاح (أهل خراسان) يعني السكان المحليين من الإيرانيين ولكن المؤرخين الرواد من المسلمين كالطبري والبلاذري اطلقوا عادة اصطلاح (أهل البصرة) و(أهل الكوفة) و(أهل الشام) لتدل على القبائل العربية التي سكنت هذه المدن بعد تمصيرها.
ثم أن مؤرخين آخرين فهموا من اصطلاح (سكان القرى) التي وردت في بعض روايات الدينوري والطبري أنهم سكان البلاد المحليين الذين يتعاطون الزراعة ويمتهنون بعض الحرف إلا أننا لاحظنا بأن العرب أنفسهم سكنوا القرى مع عوائلهم.
ولذلك فأن رواية الطبري التي تقول (فوافاه... أهل ستين قرية) لا تعني الموالي كما يظن المستشرق ولهاوزن، بل العرب. على الرغم من أن قسما من اتباع الدعوة كانوا دون شك من الموالي.
كما استغل الدعاة العباسيون فكرة التنبؤات والملاحم الشعبية المنتشرة بين الناس فأشاعوا أحاديث تقول بأن الخلافة كائنة في أحفاد العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها ستبقى في أيديهم إلى يوم القيامة وادعوا بأن هناك علامات مخبرات عن ظهور ابن الحارثية صاحب الرايات السود التي ستظهر في المشرق وانها منتصرة لا محالة. ولما توفي محمد بن علي العباسي سنة 125ه/ 742م تسلم إبراهيم الإمام القيادة وبدأ وجه جديد فعال للدعوة. وحيث ساءت الحالة في خراسان وانقسم العرب فيها إلى كتلتين رئيستين يقود أحداهما نصر بن سيار والي خراسان، ويقود الثانية جديع بن علي الأزدي الكرماني أدرك الدعاة العباسيون بأن ظروف الثورة قد اختمرت وأن الوقت قد حان لإعلانها فطلب سليمان الخزاعي من الإمام أن يرسل من يمثله في خراسان فرفض، والظاهر أنه كان يرغب في أن تقوم شخصية هاشمية أو عباسية بتمثيل الإمام خراسان وبعد أن فشل إبراهيم الإمام في إقناع عدد من الرجال قرر اختيار مولاه أبا مسلم الخراساني لينوب عنه.
إن شخصية أبي مسلم ودوره في الحركة العباسية قد أصبحت أسطورة نسجت كما يقر فاروق عمر فوزي حولها الروايات المختلفة. وقد بالغت بعض روايات الطبري والدينوري وحمزة الأصفهاني بدور أبي مسلم وأظهرته بمظهر المحرك للسياسة العباسية. وأكثر من هذا فقد اتخذته العناصر المتذمرة في بلاد فارس رمزاً لثورتها معتبرة إياه منقذاً منتظراً وخاصة بعد قتله من قبل المنصور سنة 137ه/ 745م ليحقق لها آمالها بأن ((يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً)). والواقع أن النصوص التاريخية في أخبار العباس وتاريخ الموصل وتاريخ الطبري تشير إلى أن المسؤولية كانت مشتركة بين النقباء الاثني عشر ويساعده في ذلك الدعاة، وأن سليمان الخزاعي نقيب النقباء كان وراء كل عمل قام به أبو مسلم. كما أن سليمان الخزاعي كان المتكلم باسم الدعوة والمفاوض باسمها مع شيوخ القبائل ووالي خراسان نصر بن سيار. وكان سليمان الخزاعي هو الذي يؤم الناس في الصلاة.

 

 

التعليقات