الشيخ محمد عمران.. ضحية الطبلاوي وعبد الباسط
جرب أن تذهب إلى جلساته الخاصة على موقع "يوتيوب"، ثم أكتب العنوان كاملا هكذا، «الشيخ محمد عمران.. جلسة خاصة»، وبعدها اختر واحدة، أي واحدة أمامك، المهم دعه يشدو باسم العلي من حولك، واتركه يردد على سمعك ما يشاء، لا تندهش إذ وجدت الوجع الخفيف يطرق أبواب روحك ويسكرها بعد دقيقتين مثلا.. أنت الآن منشغلا بذكر ربك، فطوبي لقلبك، والرحمة والمغفرة اطلبها لشيخنا.
الشيخ محمد عمران الذي قُدر له أن يفقد نور عينيه بعد عام واحد من ولادته، عاش أعوامه الـ 50 مكتفيا بنور بصيرته، يفصل اللحن ويشجيه، يكسي الكلمة بحس كله إيمان ولا يبرح مكانه إلا والملائكة تذكر الخالق من حوله، تجده في جلساته كلها يشدو بقلب مَشوُّقا برفقة "السميعة"، ويبصر بنظارته السوداء ما لا نبصره، ويصيب قلوب العاشقين بعذب الكلام فتنطلق آهاتهم تمتعا، يزيد عليهم يصرخون لذة وغراما، ولما يرق ويذكر جنات الخلد تفرح كل نفس مطمئنة وتذوب قلوب العاصين.
المنشد الكفيف، ربما لم يقرأ نوتة موسيقية واحدة، لكن كان يمكنه اللعب علي مشاعرك بحرفية شديدة، ولا يتركك إلا والشجن يدور بداخلك، ربما يوقظ الفرحة والأمل أو يقتل خوفا ما يدور برأسك، إذ قال فيه الشيخ مصطفي إسماعيل، أهم شيوخ التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، " لو استمعتم بتمعّن للشيخ محمد عمران لوجدتموه قارئ يتقن علم المقامات الصوتية على الاطلاق، فقد استمعت له كثيرا من تلاوات إذاعية وخارجية وابتهالات وموشحات فما وجدت منه نشازا ولا خروجا عن المقام الذى يقرأ به أبدا"، لكن رحمه الله لا ذنب له في حالة التعتيم التي طادرته في حياته ومازالت لعنتها عالقة باسمه، فالذنب كل الذنب ينحصر في لعبة القدر، فالرجل أتي في زمن لا مكان فيه إلا للشيخ عبدالباشط عبد الصمدي والشيخ محمد محمود الطبلاوي.
شيخنا، ولد في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج 15 أكتوبر 1944، أتم حفظ القرآن الكريم في سن العاشرة على يد الشيخ محمد عبد الرحمن المصري ثم جوده على يد الشيخ محمود جنوط في مدينة طما.
بعدها حضر إلى القاهرة قبل أن يتم عامه الثاني عشر والتحق بمعهد المكفوفين للموسيقى، حيث تعلم أصول القراءات والإنشاد وعلم النغم والمقامات الموسيقية وفن الإنشاد الديني على يد سيد موسى الكبير.
وبحثًا عن لقمة العيش لا أكثر، عمل "عمران" في شركة حلوان للمسبوكات، فجعلته قارئًا للقرآن الكريم بمسجدها الكائن بموقع الشركة، وذاع صيته وانتشرت شهرته بين العمال إلى أن تقدم بعد ذلك لاختبار الإذاعة المصرية في بداية سبعينيات القرن الماضي، وتم اعتماده مبتهلا بعد نجاحه المتفوق والمتميز في امتحان الأداء.
"عمران" كان من أوائل الذين أحيوا الأفراح بقراءة القرآن والابتهالات، كما أنشد وشارك في الغناء للعديد من البرامج الدينية الغنائية وفي الاحتفالات بالمولد النبوي وآل البيت والأمسيات والمناسبات التي أقيمت بدار الأوبرا المصرية، وكذا سجل في الإذاعة عددا كبيرا من الأناشيد والابتهالات منها أسماء الله الحسنى وابتهالات أخرى عدة، كما لحن له مموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وسيد مكاوي وحلمي أمين.
ربما وافق على الفور أو كانت هناك صداقة قوية تجمعهم، لكن في الحالات كلها وافق الشيخ محمد عمران على دعوة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وذهب لمنزله طواعية برفقة الموسيقار عبده داغر، عازف الكمان المشهور، وصديقهم الثالث "عبدالله" عازف العود.
في هذه اللليلة، جلس شيخنا مبتسما فهو في حضرة "عبد الوهاب"، كان على يمنه عبده داغر يقسم النغم ويطوع المذهب، وعلى يساره جلس "عبد الله" يشد أوتار العود استعداد ليلة جديدة ومختلفة، دقيقة واحدة كانت كافية للتجهيز خاصة بعد أن تجاوب معهم "عبد الوهاب" وحياهم قائلا: "الله الله"، بعدها رد عمران: "أحنا مش مجهزين يا أستاذ، بس هنقول حاجة إن شاء الله هتعجبك"، فضحك موسيقار الأجيال وقال له: "كفاية تواضع". في البداية كان "عمران" يميل برأسه يمنيا ويسارا مستمتعا بتقاسيم الكمان والعود ثم رمي رأسه مرة إلى الأمام وانطلق شدوا يرجو رضا ربه في رائعته "يا سيد الكونين"، وطوال الـ 40 دقيقة -مدة القصيدة-، كان عبد الوهاب هائما وكلما ذهب شيخنا لمقام جديد يقول له: "يا واد يا واد"، فيرد عمران ضاحكا كعادته "العفو ياسيدي".
الاعجاب كان واضح على ردة فعل عبدالوهاب في هذه الليلة، فبخلاف تمتعه بصوت شيخنا وثناءه على طريقة الأداء، صرخ مرة واحدة ليقول له: "يا جبار يا جبار"، ثم استفزه: "جاري كمان لو كنت شاطر"، وفي أدب شديد لم يجد شيخنا رحمه الله إلا كلمة "العفو" ليرد بها على موسيقار الأجيال الذي لم يمل من الثناء على أدائه بكلمات يعرف "السمعية" قدرها جيدا مثل: "يا ساتر، آه ياحبيبي، كده كده".
كما كون مع عبده داغر بـ"الصولو كمان" ثنائيا شهيرا، فكانت تقام سهرات فنية ببيت "داغر" يوميا، قدما فيها سويا عشرات الأغنيات، مثل "حلم" لأم كلثوم، ومواويل "يا من هواه أعزه وأذلني، فرح الزمان، اليوم حان الموعد، ناجاك قلبي خاشعا ولساني".
رحل الشيخ عمران إلى دار الأخرة في 6 أكتوبر 1994, تاركا مجموعة من التسجيلات الخالدة والنادرة، ناشراً في دنيا الزوال عطر محبته وأثرها في سيرته الطيبة، والمضحك المبكي أن قرار اعتماده قارئا في الإذاعة وصل إلى منزله بعد الوفاة بعشرين يوم، لك الرحمة والمغفرة يا شيخ "عمران"، ولنا الأمل كله في أن يجود الزمان علينا بصوت جديد يطيب القلوب ويريحها.

