المرأة المصرية في 115 سنة.. خرجت من الخيمة لتعود إلى الخيمة

"أنا من ضيع في الأوهام عمره"، دي الجملة اللي ممكن تسمعها من قاسم أمين لو سألته عن حال ستات مصر في الأيام دي، لأن قاسم واللي زيه طفحوا الكوتة علشان الست تخرج من الخيمة السوداء اللي كانت عايشة فيها سنة 1900، وبعد 115 سنة خدمة في ملف التحرر، رجعت تاني للخيمة.

قاسم أمين واجه انتقادات، إهانات كتيرة، بسبب كتابه "تحرير المرأة"، الصادر في سنة 1899، لدرجة أن مصطفي كامل، مؤسس الحزب الوطني، اتهمه وقتها بالدعوة إلى السفور، وترويج أفكار المستعمر الأوروبي، رغم أن الرجل لم يطلب سوى أن تخلع المرأة البرقع، وتظهر وجهها وكفيها بس.

ورغم كل الهجوم ده، زايد قاسم أمين على كل منتقديه، وشارك في نقد كتابه، بإصدار كتاب جديد بعد سنتين، اسمه "المرأة الجديدة"، قال فيه إنه يتمني أن تخلع نساء مصر الحجاب نفسه، وأهدى الكتاب لصديقه سعد زغلول، صاحب الجملة الشهيرة "مفيش فايدة"، واللي كان عارف إن أمين مات مقهورا على حال المرأة المصرية في سنة 1908.

أمين كان واخد الموضوع على صدره، من ساعة ما قرأ كتاب "المصريون" للفرنسي الكونت داركور، اللي قال فيه إن سبب تخلف المصريين هو إهمالهم لتعليم المرأة، وسجنها وراء البرقع واليشمك، والعيشة اللي شبه ملابسهم السوداء.

وفي محاولة من سعد زغلول لأن يريح صاحبه في تربته، قرر يكمل مسيرته، وطلب من زوجته صفية أن تخلع الحجاب، وبعدها طلب من سيدات بيته أن يخلعن البراقع، وقال لهن "الستات عملت ثورة.. يبقي من حقها تقلع البرقع".

صفية زغلول، قلعت البرقع، وكل صديقاتها عملوا زيها، هدي شعراوي، ونبوية موسي وسيزا نبراوي، والأخيرة دي بقي هي اللي كانت بتنظم وتقود المظاهرات النسائية في ثورة 1919، بعد كده ظهرت زوجة الشيخ مصطفى ياسين قارئ القصر الملكي في صور فوتوغرافية من غير حجاب، وكمان ابنته انجي، وزوجة الشيخ أبو العينين شعيشع، خليفة قارىء القرآن الشهير الشيخ محمد رفعت، ووقتها قررت الأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل وزوجة الأمير طوسن بن محمد سعيد والي مصر، التبرع بمجوهراتها، وقطعة ارض لانشاء جامعة أهلية لتعليم الفتيات اللي اصبح اسمها بعد كده جامعة القاهرة، ووضعت الأميرة حجر الأساس ، وماتت قبل افتتاح الجامعة.

الستات قلعوا البرقع، ودخلوا الجامعة، وعملوا اللجنة السعدية للسيدات، ودي كانت جمعية نسائية تهدف إلى انتزاع حقوق المرأة، وظهرت بوادر تألق المرأة المصرية من خلال حصول عزيزة أمير علي لقب أول مخرجة ومنتجة ومؤلفة مصرية بعد ما عملت فيلم "بنت النيل" 1929 وكانت برضه أول مخرجة سينمائية في العالم، وبعدها بسنة كان أول ظهور للمطربة الشابة ليلي مراد علي مسرح رمسيس، وعلي فكرة والدتها اضطرت وقتها أنها تحشي هدومها بشوية قماش وسفنج علشان شكلها يبقي مربرب ويمليء العين، ومن ناحية تانية تمكنت هيلانة سيداروس بنت مدينة طنطا من افتتاح عيادتها الخاصة، واسمها كان منور اليافطة بالبنط العريض، باعتبارها أول طبيبة في مصر والوطن العربي، وكانت فرحانة بنفسها، زي مديحة يسري في فيلم الاستاذة فاطمة.

 

لما ندخل الثلاثينات هنلاقي الستات عملوا قفزة هائلة، لطيفة النادي كانت أول امرأة مصرية تقود طائرة بين القاهرة والإسكندرية، وثاني امرأة في العالم تقود طائرة منفردة، أما سهير القلماوي اللي كانت أول بنت تلتحق بجامعة القاهرة، فاصبحت أول امرأة تحصل على شهادة الماجستير 1937، وأول امرأة تشغل منصب أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب، وأول رئيسة لقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وسميرة موسى اصبحت أول عالمة ذرة مصرية، و أول معيدة في كلية العلوم، وعلي فكرة، في نفس السنة دي لمع نجم الراقصة الفاتنة زينات صدقي اللي قرر يوسف بك وهبي تحويلها لممثلة.

الستات عملوا المعجزات في الأربعينات، اسسوا الحزب النسائي الوطني المصري، وعايدة فهمي اصبحت أول عضو نسائي في مجلس إدارة نقابة عمالية سنة 1946، وده شجع ستات كتير أنهم يقتحموا مجالات العمل، ويتمردوا علي جو ربات البيوت، مش بس كده، ده كمان تم اختيار مديحة يسري ضمن أجمل 10 نساء في العالم، علشان كده اختارها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب للظهور معاه في فيلم "الحب الممنوع" سنة 1940.

في الخمسينات نافست المرأة الرجل في مجالات أكثر جرأة، وعملوا مظاهرة تحت قيادة الناشطة درية شفيق، وشارك فيها أكثر من 1500 امرأة، واقتحموا البرلمان للمطالبة بالحقوق السياسية الكاملة، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، والمساواة في الأجر بين الرجل والمرأة. وجاءت ثورة يوليو 1952، واصدرت الدولة قانون حق المرأة في التصويت رسمياً أسوة بالرجل في عام 1956 ووقعت على الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخلال هذ الفترة كان المجتمع واقع في غرام الستات، علشان كده كان فيه نائبتين في البرلمان هما راوية عطية، وأمينة شكري عام 1957، وكانت أول وكيلة برلمانية من النساء هي نوال عامر، وبعيدا عن السياسية كان الكل مشغول بالممثلة الشابة مريم فخر الدين، صاحبة دور الأميرة أنجي في فيلم "رد قلبي"، وإيناس أول سباحة مصرية، تفوز بلقب بطولة العالم الأولى في سباحة المسافات الطويلة للفتيات عام 1955 بفرنسا.

الجمال والسياسية كانا عنوان المرحلة التي مرت بها النساء في الستينات، كان عقل المجتمع مع الدكتورة حكمت أبوزيد التي تم تعيينها وزير الشؤون الاجتماعية، عام 1962 لتكون أول وزيرة مصرية، والثانية على مستوى العالم العربي، وكان قلب المجتمع مع زبيدة ثروت التي فازت بلقب ملكة جمال الشواطىء، وشاركت عبدالحليم حافظ بطولة فيلم يوم من عمري سنة 1961، وفي نفس ذات الوقت كانت هند رستم تأسر القلوب والعقول باعتبارها ملكة الاغراء والدلع زي ما قال يوسف وهبي في فيلم اشاعة حب.

وكانت الجميلات في الشوارع والجامعات باللبس الشيك، والباروكة المنفوشة والمصبوغة عادة بالأصفر، وكانت ميرفت أمين ملكة الباروكة والشعر القصير. كمان كان بداية انطلاق موضة المايوة البكيني، اللي كان منتشر مصايف النبلاء، جمصة ورأس البر وبلطيم.

السبعينات كانت هي مرحلة الرقص علي السلالم بالنسبة للمرأة، وحكايتها مع المجتمع كانت شبه حكاية سعاد حسني في فيلم "خلي بالك من زوزو"، التيارات الدينية بدأت تطالب بمنع الاختلاط في الجامعات، وفرض الحجاب، والغاء الانشطة الترفيهية، وبعد ما كانت البنت المصرية زوزو.. حلوة ولذيذة زي الكوكا كولا،  اصبحت خيمة متحركة، واسمها الأخت زوز.

في عهد ابو علاء اللي هو حسني مبارك، يعني من الثمانينيات وأنت طالع، المجتمع نصب السيرك للستات، الأب محتاج بنته تشتغل علشان تشارك في تجهيز نفسها، بس خايف تخرج عن طوعه، والزوج عايز شريكة حياة موظفة تساعد في مصاريف البيت، لكن "خايف علي طيره"، فالحل كان في العودة إلى الخيمة، ووجدت تلك العودة من يغذيها في الفضائيات، فعرف مشايخها ازاي يستثمرو الحالة دي، وخد عندك فتاوي بالكوم، جسم المرأة عورة، يبقي نرجعها لخيمة زمان، وصوتها كمان عورة، يبقي تقفل بقها، والباب اللي يجيلنا منه الريح نسده ونستريح، العطور والهدوم الملونة والكعب العالي كلها تثير الفتنة، وطبعا المتحرش "معذور يا عيني!"، لأنه زي ما قال نجيب الريحاني "شيء لزوم الشيء".

وبدأت تظهر صورة الست المصرية اللى قاعدة على مكتبها بتؤدي دورها الوطني في "تقميع البامية وتقطيف الملوخية"، على ورق الحكومة ومصالح الناس، وجنبها بالضبط شفنا صورة المكافحة أم جلابية سوداء وهي شايلة أنبوبة بوتاجاز على كتفها، وتجر أطفالها بذيل الجلباب في الوقت نفسه، واختفت الفساتين والجيبات والألوان من الشارع، ليحل محلها الإسدال والنقاب والأسود والبني والرمادي.

البلد قامت فيها ثورة، بس يا ثورة ما تمت، السيدة الأولي بقي اسمها أم أحمد، ومستشارة الرئيس اسمها أم أيمن، وحزب النور حاطط وردة بدل من صور مرشحاته في الانتخابات البرلمانية، وكل ست تواجه مشكلة أو اعتداء، تلاقي اللي يقول "ايه اللي وداها هناك"، وبعد ثورة ثانية، مازلت المراة مضطرة إلى البقاء داخل خيمتها، رغم أن يد المتحرش دخلت حتى جوا الخيمة، ونفس الراجل اللي بيدين الست الجميلة في الشارع، هو اللي بيقارن بينها وبين الممثلة والمطربة وحتى المشجعة الاوروبية في ماتشات كرة القدم، وبيتريق على الست المصرية التخينة والمنكوشة والنكدية.

 

من الآخر المراة المصرية أكبر شاهد ودليل على عيوب وأمراض المجتمع على مدار سنوات وسنوات، وعلاجها يحتاج إلى قرون، حتى تخلع المرأة خيمتها من العقد والكلاكيع، اللي غطت عقلها وجسمها، وتشعر بحريتها، وتقدر تمشي في الشارع بأمان، من غير ما عين تجرحها، أو أيد تضايقها، أو كلمة تزعجها.

 

التعليقات