أهى الصفقة؟

ظاهرة خليجية غريبة يمكن رصدها على مواقع التواصل الاجتماعى، وبعض الكتابات الصحفية، واللقاءات التليفزيونية فى آن واحد، تتعلق بحديث دؤوب ومنظم حول أهمية قيام علاقات رسمية وشعبية مع إسرائيل، وأنه قد آن الأوان لصياغة جديدة فى العلاقات مع تلك الدولة الطيبة!!، التى لم تسئ لنا يوماً ما، والتى لم نر منها شراً ذات يوم، «هكذا نصاً».. الظاهرة تقودها كتائب إلكترونية واضحة، وإعلاميون، ومسؤولون ودبلوماسيون سابقون فى معظمهم، فيما بدا أنه تمهيد لشىء ما، أو ترويج لجديد ما، سوف تشهده الساحة العربية فى القريب العاجل، ربما تحت عنوان ما تسمى صفقة القرن، وربما تحت عناوين مستحدثة.

تعبير «التى لم تسئ لنا يوما» يؤكد ذلك الانفصال العربى الواضح عن قضاياه التاريخية، ويؤكد أن القضايا العربية لم تعد جماعية، أو ذات اهتمام عام، ويؤكد ذلك التسريبات التى تكشف عنها الكثير من الوثائق المفرج عنها أمريكياً وبريطانياً وإسرائيلياً، والتى تشير إلى أن المواقف المعلنة لبعض الأنظمة العربية منذ قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨- كانت مختلفة تماماً عن مواقف ما تحت الترابيزة، أو المواقف السرية التى سجلتها هذه الوثائق، والتى لم تكن قابلة للتصديق العقلى ذات يوم، أو حتى مجرد استساغتها.

الأمر الآخر هو سر هذا التحول فى العقل العربى، على الرغم من أن شيئا ما لم يطرأ على الممارسات الإسرائيلية بالمنطقة، لا نعنى هنا فقط استمرار احتلال دولة فلسطين وتشريد شعبها، أو احتلال الجولان السورى، وإنما نتحدث عن الممارسات العنصرية وممارسات القتل ومصادرة الأراضى التى لا تتوقف، والأهم من ذلك تغلغل جهاز الموساد فى معظم الدول العربية، حتى وصل الأمر إلى خطيب منبر هنا، أو تنفيذ اغتيالات هناك، وهو ما يؤكد أن الصراع العربى مع إسرائيل صراع وجود قبل أى شىء آخر.

الدليل على ذلك هو أن إسرائيل لم تعمل يوماً ما على حذف تعبير من النيل إلى الفرات من على حائط الكنيست (ولما تجلى الرب على إبراهام منحهُ الأرض المقدسة من النيل إلى الفرات)، ولو فى إطار تجديد أى خطاب من أى نوع، وليكن الخطاب السياسى، على اعتبار أن أحداً هناك لا يستطيع الاقتراب من الخطاب الدينى أو المدارس الدينية التى يتعلمون فيها على مدار العام، أن العرب لا يستحقون الحياة، وأن اليهود فقط هم الذين يجب أن يسودوا الأرض، على اعتبار أنهم شعب الله المختار.

بالفعل لا أرى جديداً فى نظرة إسرائيل تجاه العرب يجعلهم يهرولون أو يمهدون للهرولة إليها بهذا الشكل المقيت، اللهم إلا ربط اعتراف قوى كبرى بوجود أنظمة بعينها بهذه التحولات الغريبة شكلاً ومضموناً، وربما يؤكد ذلك ما قاله بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، مؤخراً، بأن مشكلة التطبيع مع بعض الدول العربية تكمن فى الشعوب وليس فى الأنظمة، وهو ما يبرر هذه الحملة الإعلامية واسعة النطاق التى استهدفت المواطن العربى فى الآونة الأخيرة، خصوصاً فى مصر.

وقد استخدمت هذه الحملة نخبة من المثقفين ورجال الدين وبعض القنوات التليفزيونية، الذين حملوا على عاتقهم الترويج لأمور غريبة تتعلق بالتشكيك فى الحقوق الفلسطينية، ليس ذلك فقط، بل فى المسجد الأقصى تحديداً، ناهيك عن الطعن فى الدين، وربما فى الديانات عموماً، فى إطار عملية واسعة تهدف إلى ضرب الهوية الثقافية والعربية، بهدف خلق أجيال مسخ، لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، وهو ما أسفر عن عملية إلحاد واسعة فى صفوف الشباب، وأسفر أيضاً لدى البعض عن اعتبار بعض الدول الشقيقة أعداء، بينما أصبحت الدولة الصهيونية طفلاً وديعاً!

لا أستطيع النظر إلى ما يجرى على الساحة الخليجية بمنأى عن ذلك الذى نراه على شاشات الفضائيات، ولا أستطيع فصل التصريحات الإسرائيلية بخصوص التنسيق السرى والعلنى مع بعض العواصم العربية، عن ذلك الاهتراء الحاصل على المستويات السياسية والثقافية والدينية، لدرجة أن الأزهر أصبح بمثابة «الحيطة المايلة» التى يعلق عليها هؤلاء وأولئك كل إخفاقاتهم الآن، فما نكاد نرى تقلبات مناخية إلا وكان الهجوم على الأزهر، وما نكاد نرى إخفاقات كروية إلا كان الهجوم على الأزهر، إلا أن ما يجعلنا لا نبالى هو أن جميع هؤلاء منزوعو النزاهة والشرف، وهو ما يُعد فى حد ذاته شرفاً للأزهر وعلماء الأزهر.

الغريب فى الأمر هو أن بعض الأنظمة العربية تُعوِّل فى حل أزماتها على إقامة علاقات مع إسرائيل، فى الوقت الذى فشلت فى إقامة علاقات مع بعضها البعض، رغم كونها دول جوار، ورغم ما يجمعها من تاريخ مشترك ومصير أيضاً مشترك، لم تضع هذه الأنظمة فى الاعتبار التجربة المصرية مع إسرائيل، منذ توقيع اتفاق سلام معها قبل نحو أربعة عقود، هذا الاتفاق الذى لم يغير شيئاً فى العقيدة الشعبية المصرية وربما فى العقيدة السياسية أيضاً، باعتبار إسرائيل دولة لقيطة على أرض عربية محتلة، لا أمن ولا أمان لها، وإلا لما كانت كل هذه الحملات الإعلامية الآن بعد كل هذه العقود.. أفيقوا يرحمكم الله.

 

 
التعليقات