السد العالي في الكافيه

 من باب التغيير، ذهبت للكافيه القريب من المنزل لأكتب مقال هذا الأسبوع. جلست على المائدة المجاورة أسرة من أب وأم وابنتهما الصغيرة، بالإضافة إلى بعض أصدقاء الأسرة. كانت البنت تستعد لدخول امتحان نهاية الترم، وكانت الأم تساعدها في ذلك، وكان الذهاب للكافيه هو الطريقة التي اختارتها الأسرة لتخفيف التوتر الناتج عن اقتراب الامتحانات. كانت الأصوات تصلني متداخلة، تختلط فيها أنباء فتح مصر على يد عمرو بن العاص، وتاريخ وفاة القديس مرقص، والموقع الذي يوجد فيه منجم السكري، والنتائج المترتبة على وجود معدن الحديد، وأهم الصناعات الموجودة في مصر، والبحيرات الطبيعية والصناعية في البلاد، اختلط كل هذا مع أحاديث الأصدقاء عن الفريق القومي ومحمد صلاح وحجز الفنادق لزوم رحلة منتصف العام. تقرأ الأم السؤال، متوقعة أن تسمع الإجابة من ابنتها بمجرد انتهائها من القراءة. تختار البنت الإجابة الخطأ، أو أنها لا تتذكر أي إجابة على الإطلاق. تعيد الأم قراءة السؤال مرة أخرى، لكن هذه المرة مسبوقا بكلمة إضافية: "يا حمارة". في بعض المرات كان لهذه الكلمة الجديدة فعل السحر، فتنطق البنت بالإجابة السليمة بمجرد أن تناديها أمها بهذا اللقب الذي يبدو محببا. في بعض المرات كانت الأم, ومن باب التجديد، تستبدل "يا حمارة" بكلمات من عينة "ارحميني"، "يا حولة"، يا "حيوانة"، ولما كانت هذه الكلمات تفشل في تنشيط ذاكرة البنت، كانت الأم تعود للتعويذة التي أثبتت فاعليتها: "يا حمارة". الأم تحفظ المقرر كما لو كانت هي التي ستدخل الامتحان. يتطوع الأب أحيانا بالإجابة عن الأسئلة التي تصعب على ابنته، فتأتي إجاباته بعيدة عن الموضوع، ولكنها تدل بوضوح على واحد حصل على بكالوريوس الهندسة دون المرور بخمسة ابتدائي. الاحترام الواجب يمنع الأم من توجيه واحد من النعوت الكثيرة الموجودة في قاموسها للأب الفذلوك، لكن الاحترام لا يحمي الأب من عبارات سخرية مهذبة من جهله الفاضح بمنهج خامسة ابتدائي. قائمة الصفات وعبارات الزهق والدعاء - مرة للبنت، ومرة عليها - طويلة. لكن المهم أن أحدا لا يأخذ هذه الكلمات بمعناها الحرفي أو حتى الاصطلاحي. لا تبدي البنت انزعاجا من نعتها بالحمارة والحولة والغبية، فضحكاتها الرقيقة ترن بعد كل مرة تنعتها فيها الأم بواحد من هذه الصفات، كما لو كان لهذه الكلمات معان أبعد من أن يفهمها ضيقوا الأفق أمثالي. غيرت الانطباعات التي كونتها في أول الجلسة عن الأم المفترية التي منعني صوتها العالي من كتابة مقال يفيض جدية عن القدس وأمريكا وانتخابات الرئاسة. اكتشفت أن هناك لغة خاصة تستخدمها الأمهات عندما يراجعون الدروس لأبنائهم. اكتشفت أن الحمورية والغباوة والحول والشبشب لها في هذه اللغة معاني مختلفة تماما عما أعرفه. اكتشفت أن تعبيرات الوجه وحركات اليدين ولغة الجسد هي التي تمنح للنعوت في اللغة معناها الحقيقي. فالحمار عندما تقال وقد مالت رأس الأم إلى الجانب، تختلف عن الحمار عندما تكون الحواجب مرفوعة والعيون محدقة. تعلمت أن الشبشب، يستخدم أحيانا كأداة زغزغة، فقد سمعت الأم تقول لابنتها "أنا عارفة أنك بتحبي تتزغزغي بالشبشب". لم أفهم لماذا يركزون في مقرر خمسة ابتدائي على السد العالي، الذي يبدو أنه يشغل جزءا كبيرا من المقرر. البنت – ما شاء الله - جاوبت على كل الأسئلة المتعلقة بالسد العالي بنجاح يدل على أنها فاهمة الموضوع تماما، وأنها دائمة التفكير فيه، حتى أنها، وبينما كانت الأسرة تستعد للانصراف، سألت أمها في براءة: يعني إيه فيضان؟

التعليقات