السيولة السياسية وسلبياتها على الدول والمجتمعات

يبدو أن الفلسفة السلطوية للغرب سواء فى مراكزه البحثية أو فى سلطاته السياسية، وكأنها بدأت تؤتى ثماراً سلبية على العالم كله، بل امتد ذلك إلى الغرب ذاته، فاليمين المتطرف وحركات الانفصال التى تجسدت فى كتالونيا العام الفائت، مثلت هاجساً أقلق الغرب، الذى سرعان ما تعامل بحذر مع إعلان استقلال كردستان العراق، لكن هذه السيولة وهى حالة تعبر عن انتهاء الأيديولوجيا كمحرك سياسى، وفقدان الثقة فى البنية السياسية التقليدية، والتى عبرت عن نفسها بقوة بصعود دونالد ترامب لحكم الولايات المتحدة الأمريكية وتعثر أنجيلا ميركل لفترة طويلة فى تشكيل حكومة جديدة فى ألمانيا.

هنا تبدو الدول مهددة فى بنيتها العميقة بل فى مؤسساتها، وهو ما ينعكس سلباً على تماسكها خاصة الدول الشاسعة المساحة، المتعددة الأعراق، إذ إن ما بات يجمعها من هوية أو رؤية أو مصالح مشتركة، ينزوى أمام المصالح الضيقة للمجموعات التى تبحث عن المنفعة التى هى أساس الفلسفة الغربية، هذه المنفعة التى تزيد من قيمة الفرد على حساب المجتمع، ولذا فإن الذهاب للفرد وتعظيمه عزز مع الوقت صورة لمصالح ذاتية للإقليم، من هنا نفهم لماذا تتصاعد حركات الاستقلال فى كاليفورنيا فى الولايات المتحدة وأسكتلندا فى بريطانيا وكتالونيا فى إسبانيا، هذا إذا اضفنا له فشل الديمقراطية الغربية فى بعض الأحيان عن التعبير عن احتياجات ورغبات مجتمعاتها لصالح الرأسمالية التى تزداد توحشاً منذ صعود كل من رونالد ريجان فى الولايات المتحدة ومارجريت تاتشر فى بريطانيا، لتصل لذروتها فى احتلال الولايات المتحدة للعراق وتدميره فى العام 2003 ميلادية، دون ذريعة حقيقية سوى كذبة اسمها أسلحة الدمار الشامل، ليفقد الغرب صدقيته، ولتكون القوة المفرطة هى الحقيقة، هذا ما صعد من حدة العنف والتطرف فى المجتمعات، بما أن السلاح هو الذى يعبر والقوة والعصبية هى التعبير عن الحقيقة فصار الغرب تتصاعد به قوة اليمين المتطرف واتخذ المتطرفون الإسلاميون العنف المسلح أداة.

لذا فإن الدول باتت فى حاجة ماسة لتماسك مجتمعاتها بل لتعضيد علاقاتها بالمجتمع الذى تحكمه، وإلا فإن خطر التفكك يهدد الجميع، خاصة فى ظل فقدان النموذج الديمقراطى الغربى صدقيته، بدءاً من تشكيك حتى الرئيس الأمريكى الحالى فيه خلال حملته الانتخابية، إلى تعبير هذه الديمقراطية عن مراكز القوى الاقتصادية ومصالحها، خاصة الشركات الكبرى، فبات السلم المجتمعى محل تساؤلات.

هنا يبدو النموذج الصينى لدولة قوية وشعب متمسك فى غالبيته بهذه الدولة، الصين تمتلك مشروعاً داخلياً وآخر للهيمنة العالمية سمته الطريق والحزام، وبات مشروعها مهدداً للهيمنة الغربية بقوة، فهى أثبتت أنها صديقة صديقاتها من الدول والحكام، بل تقوم سياساتها على تبادل المصالح، لا دفع الرشى للمسؤولين فى الدول للحصول على المنافع، فالدول الأفريقية هنا باتت تفضل الصين كشريك فى التنمية عن أوروبا ذات السياسات ضيقة الأفق ذات المصلحة المنفردة، لذا فإن الحكام الأفارقة يسرعون إلى بكين فى منتدى العلاقات الصينية الأفريقية، فهل بات النموذج الغربى مهدداً فى ظل ضغوط غربية مثل: فرض شروط تعتبر تدخلاً فى شؤون الدول، هنا الصين لا تفرض شروطاً سياسية، بل التعامل من واقع تبادل المنافع.

وتراجع الغرب وصعود الصين، التى بات لها فى عاصمة كل دولة عبر العالم، شارع يسكنه صينيون يعبرون عن العولمة الصينية الجديدة، والتجارة الممتدة، لنجد الصينيين يحصلون على جنسيات دول كبريطانيا وتدريجياً يصعدون إلى مناصب، ليتحقق فى ظل السيولة الغربية مع نهاية القرن الحادى والعشرين السيطرة الصينية على العالم، وليصبح القرن الثانى والعشرون، قرن الصين.

 

التعليقات