النداء الأخير للديناصور

في زيارة عائلية لأحد الأقارب في مدينة الإسكندرية، ومن شرفة مرتفعة تطل على الأسطح المجاورة راهنت طفلتاي البالغة أكبرهما خمسة عشر عاماً، إن كانت إحداهما قادرة على التعرف على هذا "الشيء" الذي يبدو غريباً وسط عشرات الأطباق اللاقطة،
 
"شبه فرشة السيشوار يا مامي".... كان ذلك أفضل تخمين استطاعت إحداهما أن تصل إليه، ووجدتُ صعوبةً بالغةً في أن أشرح لهما أن هذا الـ"الشيء" الذي لم تستطيعا أن تجدا له شبهاً في عالمهما كان حتى سنوات قليلة يلعب دوراً مهماً في حياتنا، وأننا قضينا أوقاتاً قيّمة من الطفولة والصبا وأول الشباب ونحن نصيح بأعلى صوت لدينا ليسمعه الشخص الواقف على سطح المبنى أن يحركه قليلاً أو يثبته على هذا الوضع بعد أن أصبحت صورة الشاشة أكثر وضوحاً، وأن ما كان يعرف بـ"الإيريال" كان هو البديل لـ"الدش" الذي يعرفه الجميع في الوقت الحالي.
 
وعذرت ابنتي عندما تذكرت ردة فعلي أنا وزملائي أثناء وجودنا ضمن لجنة تم تشكيلها لمراجعة قوانين الإعلام بمبادرة مهنية من زملاء كرام، وظلت تجتمع لما يزيد على عام، بصرف النظر عن مصير ما خرجت به من نتائج.
 
كانت اللجنة تجمع كبار أساتذتنا وشيوخ مهنة الصحافة، مع الأجيال المختلفة من الإعلاميين، وكان النقاش محتدماً حول مادة في القانون يصر الأستاذ الكبير الذي مازلنا نتعلم من كتاباته ومواقفه المدافعة عن حرية المهنة وخبراته القانونية التي لا جدال فيها، على وجودها، بينما لا نرى لها مبرراً، فيفاجئنا بقوله لا بد من وجود بديل لها لأنها موروثة من قانون مكافحة المنشورات لعام 37! يا إلهي هل قال بالفعل منشورات!
 
كان هناك على الأقل في القاعة جيلان من الصحفيين الذين لم يشاهدوا أية "منشورات" إلا في أفلام الأبيض والأسود.
 
لا أعرف إن كان ما سبق يصلح مدخلاً لقراءة الأزمة التي يعاني منها الإعلام في السنوات الأخيرة، وهل سيكون اختصارها في مجرد "صراع أجيال" تبسيطاً مخلاً،
 
ربما سيكون علينا لنفهم أكثر أن نسأل أنفسنا أين نحن من العالم؟
 
في السنوات القليلة الماضية كانت التطورات التي شهدتها المهنة أسرع من أن تترك لنا مجالاً لالتقاط الأنفاس، وربما يكون جيلنا هو الجيل الأخير الذي سيمكنه أن يتذكر كيف كانت الحياة في عصر "ما قبل الإنترنت"، وما قبل مواقع التواصل الاجتماعي،
 
والتطبيقات المختلفة التي جعلت مفهوماً مثل "صحافة المواطن" الذي بزغ في أوائل الألفية يصبح مفهوماً قديماً بعد أقل من 10 سنوات من ظهوره، وليصبح اختفاء الفكرة، أي فكرة، أسبق حتى من محاولة قراءتها وفهمها ووضعها في سياق.
 
والمؤكد أيضا أننا سنكون الجيل الذي سيشهد تغير شكل المهنة تماماً عما ألفناه وتعلمنا عليه، لكن السؤال هل سنكون وقتها مازلنا جزءاً من هذه المهنة؟! وهل نحن مستعدون لهذه التغيرات؟
 
وفي الوقت الذي تتكتل فيه المؤسسات الصحفية الكبرى في الولايات المتحدة لمواجهة منافسة غير عادلة مع منصات لا تنتج الأخبار، وأصبحت تحتكر الجانب الأكبر من عوائدها، مثل "جوجل" و"فيسبوك"، ووسط سباق بين مؤسسات إعلامية أوروبية و"هواة" أتاحت لهم التكنولوجيا فرصاً غير مسبوقة لتقديم محتوى ذي مواصفات احترافية من حيث الشكل والقدرة على البث بتكاليف قليلة، أتاح لهم ليس فقط اجتذاب شرائح غير قليلة من الجمهور، ولكن أيضاً من المعلنين، نجد أن الإعلام في مصر لا يزال مشغولاً باستنساخ نفسه من خلال شاشات متشابهة لا تستبدل إلا مجرد الوجوه لتقديم محتوى يفقد تأثيره يوماً بعد آخر،
 
وفي الوقت الذي تتجه صناعة الإعلام في العالم إلى أشكال مدمجة تحاول توفير المحتوى الإعلامي بصياغات مختلفة، وبشكل يجهد نفسه في البحث عن التنوع عبر وسائط مختلفة ليجتذب شرائح أوسع، فإن المؤسسات الإعلامية التي تمتلك أكثر من منصة لا يوجد بينها أقل قدر من التكامل في أوضح أشكال إهدار الموارد، وأكبر تمثيل لذلك هو الإعلام المملوك للمواطنين وتديره الدولة مثل ماسبيرو الذي لا يبدو قادراً حتى اللحظة على تحديد دوره، وهل هو إعلام خدمة عامة أم أنه مجرد منافس للإعلام الخاص، رغم ما يملكه من إمكانيات بشرية وتقنية تعمل كجزر منعزلة في ظروف ليست هي الأفضل.
 
في السنوات القليلة الماضية شهدت الساحة الإعلامية في مصر استثمارات كبيرة في مجال الإعلام، لكن معظمها لم يستطع أن يوجد نموذجاً ربحياً يمكنه من الاستقلال أو الاستمرار بعيداً عن أهواء الملكية، الأمر الذي أدى إلى أزمات مهنية واقتصادية ألقت بظلالها على المشهد الإعلامي في السنوات الماضية.
 
كما أدى التوسع في إنشاء كليات الإعلام وأقسامه إلى أن يصبح المعروض في سوق العمل أكبر كثيراً من المطلوب، كما أن إنشاء هذه الكليات بدا منفصلاً عن مجتمعاتها المحلية ومحاولة لاستنساخ تجربة العاصمة التي تحتكر كل الفرص في مجال الإعلام ولا يبدو أي أفق أمام من يرغب في ممارسة مهنة الإعلام خارجها.
 
وإذا كان هذا هو المتن في المشهد الإعلامي في مصر، فهناك قدر كبير من الحيوية في الهوامش التي تبدو أكثر اتصالا بالتطورات التي يشهدها الإعلام في العالم، وأكثر تحرراً وقدرة على الاستفادة من وعود المستقبل، حتى في ظل الصعوبات التمويلية التي تواجهها، وهنا لا يبدو الأمر مجرد صراع أجيال بقدر ما هو محاولة لتجميد مشهد لا يمكن تجميده لصالح أفكار معينة وبأدوات عتيقة، في محاولة بائسة لن تنجح إلا في تسريع التغيير في المشهد الإعلامي بشكل لن يصب لا في مصلحتها أو مصلحة المهنة في بلد أكثر من نصف سكانه تحت سن الـ35.
 
- كاد فكي يتدلى دهشةً، وأنا أشاهد شرح زميلنا كريستيان تريبرت، الخبير في الصحافة الاستقصائية في ورشة تدريبية للتدريب على "التأكد من الحقائق" أو"fact Checking"،
 
وهو يشرح ببساطة كيف استطاع هو وفريقه من خلال برنامج بسيط تكذيب الخارجية الأمريكية فيما يتعلق بغارة مزعومة لروسيا على مدينة إدلب راح ضحيتها 42 مدنياً، وإثبات أن الغارة كانت أمريكية ومكانها حلب، وقصفت مسجداً ليجبروها على التصحيح والاعتذار، وتذكرت وقتها عندما كنت مذيعة متدربة، أُخبر رئيستي بندوة غطيتها عن الإعلام الخاص في مصر، وردها المستنكر "إعلام خاص؟ مفيش حاجة اسمها إعلام خاص في مصر، الإعلام إعلام الدولة!".
 
الخلاصة ليس أمامنا البديل إما التكيف أو الانقراض، إما أن نلقى مصير الديناصورات التي لم تشم رياح التغير، واعتصمت بأحجامها الهائلة، أو أن نحجز مكاناً على السفينة قبل الطوفان.
 
التعليقات