عن الزمن الجميل أتحدث

الحنين إلى الماضي إحدى أهم سمات المزاج العام والثقافة السائدة.يزعمون أنه كان هناك في الماضي زمن أفضل من زماننا، وأن مجتمعنا كان وقتها أفضل حالاً، وكان الناس فيه أكثر سعادة.دعك من الإسلاميين الذين يريدون لنا العودة خمسة عشر قرناً إلى الوراء، فمشكلتنا مع هؤلاء أيديولوجية وسياسية.أتحدث عن صرعة الترويج لصور تم التقاطها في القاهرة في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما لو كانت هذه الصور القليلة البديعة تمثل مصر كلها في ذلك الزمان.

الواقعون في غرام الصور القديمة يحبون أفلام الأبيض والأسود أيضاً.يتفرج هؤلاء على سامية جمال وهي ترقص كالفراشة، فيقولون "شوف الرقص كان جميل إزاي"؛ يشاهدون فاتن حمامة وسعاد حسني، فيتحسرون على "رقة ستات زمان"؛ تظهر البطلة كما لو كانت تعزف مقطوعة كلاسيكية على البيانو، فيتحسرون على زمن كان فيه البيانو جزءاً لا يتجزأ من جهاز العروس.

أفلام زمان فيها خفة دم مهذبة، ورومانسية تناسب مجتمعاً لم تخلع نساؤه نقاب الوجه إلا قبل سنوات قليلة، وفيها استنساخ لأفلام ذلك الوقت الأمريكية، مثلما كانت عمارات الخديوي استنساخاً للعمارة الأوروبية في باريس وروما. لم يعد الغربيون يبنون عمارات كلاسيكية، واختفت الرومانسية من أفلامهم، وحل محلها الكثير من العنف والخرافة والخيال العلمي؛ فحدث شيء مثل هذا لدينا نحن أيضاً.

مصر بلد "فوتو جينيك" فيه الكثير مما تحبه الكاميرات، بدءاً بالأهرامات الفرعونية، ومساجد وتكايا المماليك، وصولاً لعمارات الخديوي ذات الطابع الأوروبي الكلاسيكي. الأماكن والمباني التي تظهر في الصور القديمة فعلاً جميلة ونظيفة، وتدعو للفخر بالقاهرة الجميلة وبمصر كلها؛ لكن كانت هناك أشياء كثيرة أخرى لا تدعو للفخر لم تلتقطها عدسات المصورين؛ لكن لأننا نعيش في عصر الصورة، فإن ما لم تلتقطه العدسات ينساه الناس كأنه لم يحدث مطلقاً.

لم تلتقط عدسات المصورين آلاف الحفاة وهم يسيرون في شوارع مدن مصر وقراها، فلا شيء "فوتوجينيك" في هذا المشهد. كان الحفاء ظاهرة عامة شائعة، وكانت محاربته هدفاً ووعداً تقطعه الحكومات على نفسها. وتم اختراع الشبشب البلاستيك، من نوع "زنوبة"، فكان في هذا حل عبقري لمشكلة الحفاء في مصر، وذهب الناس إلى الأسواق والمقاهي وأماكن العمل وهم يلبسون الزنوبة. كان الناس فقراء، ولم يكن بمقدورهم استبدال الزنوبة، بمجرد انقطاع إصبعه، كما يفعل أغلبهم اليوم. كان لـ"وش الزنوبة" قطعة غيار، وكان الناس يثبتون إصبع الزنوبة بقطعة من السلك، أو بمسمار، حتى يمكنهم توفير قطعة الغيار الثمينة هذه، وكل هذا لم تلتقطه الكاميرات.

واصل الأطفال والصبية لعب الكرة في الشوارع وهم حفاة، فامتلاك حذاء رياضي كان من باب الرفاهية بعيدة المنال. كانت الكرة "شراب"، أي أنها كانت مصنوعة من جورب قديم محشو بقطع من الإسفنج المسروق من كراسي أوتوبيسات النقل العام، بعد تمزيقها بالمطواة "قرن غزال". هذه هي الكرة التي أبدع في "الترقيص" بها فاروق جعفر وحسن شحاتة وإبراهيم عبدالصمد وجمال عبدالحميد، في منازلات كروية كبرى شهدتها شوارع المنيرة وكفر الدوار وفم الخليج وعين الصيرة، قبل أن يصبح كل هؤلاء نجوماً كباراً في أندية القمة.

لم تلتقط العدسات صورة البصلة وقد تم استخدامها علاجاً لدمل، بعد ربطها عليه بقطعة قماش قذرة؛ ولم تلتقط صورة شراب "حديد وزرنيخ" وأقراص "السلفا"، يتم توزيعها على المرضى في المستشفيات العامة علاجاً لكل الأمراض.

ولم تلتقط العدسات صورة غطاس المجاري، وهو يغطس في البالوعات لتسليكها عارياً كما ولدته أمه. أنا لا أتحدث عن طفل صغير، لكنني أتحدث عن رجل بالغ كان مضطراً لإهدار الكرامة، والتخلي عن الحياء، والتضحية بصحته؛ مقابل القليل الذي يقيم أوده. لا أظن أن هذا الرجل كان سعيداً، ولا أظن أن كل الرجال والسيدات، الذين شاهدوه وهو يفعل ذلك، كانوا سعداء، ولا أظن أنه خطر ببالهم أن أحفادهم سيأتون بعد ذلك ليتحدثوا عن زمانهم هذا باعتباره "الزمن الجميل".

التعليقات