من وحي موت الناقد

في طريق عودتي من دولة الإمارات العربية، وبعد المشاركة في عدة فعاليات ثقافية بكل من الشارقة ودبي، وأبوظبي، والعين، أحضرت معي مجموعة كبيرة من الكتب من معرض الكتاب، ومن الأصدقاء، والمكتبات هناك، إلى جانب الدوريات، مثل مجلة الشارقة الثقافية والتي سعدت عندما علمت أن مدير تحريرها هو السيد/ نواف يونس، فقد التقيت به منذ سنوات، عندما كان يتولى مسئولية مجلة دبي الثقافية، وهو إنسان دمث الأخلاق، مثقف، يُنصت للمتحدث، ويناقش بهدوء ودون صخب وبتواضع شديد، رغم معارفه الغزيرة.

هو كاتب سوري نال جوائز عن كتاباته القصصية والمسرحية، ومنها المجموعة القصصية «حلم تحت خط الصفر»، ومسرحيتا «الرحيل»، و«ملك ليوم واحد».

لفت نظري أن مصر حاضرة بقوة في الأعداد التي أحضرتها من المجلة؛ فهناك موضوعات فكرية مشغولة بتأنٍ عن زكي نجيب محمود، والعقاد، والفنان محمود سعيد، وسليمان نجيب، وسعد روماني نحات الفسيفساء، الذي تقام له المعارض في أوروبا، مثلما يحتل غلاف أحد الأعداد برج القاهرة وأمامه النيل، ومنطقة الجزيرة والنوادي الرياضية المفعمة بالخضرة المحيطة به. ثم بداخل المجلة مقال للكاتب عامر الدبك، في حب القاهرة «أم البلاد» كما وصفها ابن بطوطة.

الحقيقة أعتبره مقالًا ترويجيًا يُشجع من يقرأه على أن يزور أرض الكنانة، ويتمتع بآثارها، وبتاريخها وسحرها.

إنه مقال شاعري منسوج بشغف ورفاهة، ويتغزل في تلك المدينة الآسرة الساحرة، متخذًا عنوان «القاهرة بين عيني التاريخ والحلم».

والمقال مزود بصور مبهرة، ليس فقط ضمن المقال، ولكن أيضًا تم توظيف الصور بطريقة فنية جميلة لتكون مفاصل إضافية بين الأبواب لأشهر مساجدها، وشارع المعز، وقلعة صلاح الدين، ومسجد ابن طولون وغيرها من الآثار وشخصيات المؤرخين لمدينة المعز التي فسح لها التاريخ مساحة لم يمنحها لمدينة أخرى.

المجلة متنوعة، ودسمة، بإخراج راقٍ، مساحة السينما بها محدودة نظرًا لتنوعها، فهي تتضمن صنوفًا وألوانًا من الفنون، بها موضوعات ثرية، مكتوبة بعمق، تتضمن السينما والتشكيل، الأدب والشعر سواء كان نقدًا أو إبداعًا. يحتل الجانب النسوي بها مساحة غير هينة، سواء بأقلام الكاتبات، أو المبدعات، أو المرأة موضوعًا للبحث.

توقفت أمام عرض لدراسة عنوانها «توظيف الموروث في الأدب الإماراتي.. النص المسرحي نموذجًا» لمؤلفها عبدالفتاح صبري، وهو شاعر وكاتب قصصي مصري يعيش في الإمارات منذ سنوات طويلة، وله العديد من الإبداعات، مثل «تهاويم ليست أخيرة»، و«ربما أنا»، و«دفء المكان»، مثلما له إصدارات أخرى ودراسات بالغة الأهمية للمكتبة العربية، ومنها «أنطولوجيا القصة القصيرة النسوية الإماراتية».

إنها موسوعة مثيرة للاهتمام، تتتبع مسيرة المرأة الإماراتية كاتبة القصة بكل مراحلها المتذبذبة بين الازدهار والخفوت، ولماذا كن، وما زال البعض منهن يكتبن تحت أسماء مستعارة، مع ذلك يؤكد المؤلف تفوق المرأة في المشهد الراهن على الرجل في الأدب الإماراتي، وعندما ينقب في الأسباب يُرجع ذلك إلى اللجوء للأدب للدفاع عن ذاتها وعن قضيتها وعن نفسها، ولكن من دون أن تتخذ تلك الأعمال الطابع الثوري؛ فقد كانت تفعل ذلك بخفوت ومن دون أن تفصح عن المضمون، وهو حكم يُمكن أن يقام من حوله دراسات.

توقفت طويلاً أمام عنوان «توظيف الموروث…»، فقد لفت نظري إلى جانب مهم في السينما الإماراتية، إلى أن عدم فهم الموروث في الثقافة الإماراتية بشكل كامل، وعدم الإحاطة به كان يُشكل حاجزا أمام تلقي بعض الأفلام المنتجة هناك. لذلك تأتي أهمية العروض المهرجانية أمام أفلامهم ومناقشة محتواها، وإلا ستظل رؤيتنا لها قاصرة، وستظل تحتاج إلي ناقد محب لمهنته من أهل تلك البلاد ليفك طلاسمها أحيانًا.

الأمر الآخر أن الأفلام المنتجة في تلك المنطقة العربية يكون من الأفضل لها أحيانًا ألا تعرض في المهرجانات الكبيرة التي يلهث فيها النقاد وراء المثير والصاخب، لأنها سوف تُظلم.

والحقيقة الأمر ليس مقصورا على السينما الإماراتية أو الخليجية، فهناك من كل أنحاء العالم أفلام عندما تُعرض بالمهرجانات يتم تجاهلها أو استقبالها بشكل سلبي، ولا يتم تقديرها كما يجب، لكن بعد انتهاء ضجيج المهرجانات يتم إعادة اكتشافها من جديد.

أما حكاية «موت الناقد»، فهو عنوان كتاب للناقد والأكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد، صحيح أنه صدر منذ ٢٠٠٧ وتُرجم بمصر، وهو يناقش إشكاليات عديدة ومهمة تخص الناقد في ظل المتغيرات الجديدة، لكن ما أعادني إليه مقال بالمجلة ذاتها للدكتور حاتم الصكر بعنوان: «موت الناقد» آخر صيحات الموجات الأدبية، فقد أثار لدي شجونًا خاصة بالنقد السينمائي.

أعرف تمامًا أن العلاقة بين الناقد والمبدع في مجتمعنا العربي هي علاقة شائكة، متناقضة، تجمع بين الحب والكراهية، بين التعالي المتواري وبين التواضع الكاذب أحيانًا.

الحب يتحقق لو قام الناقد بالمديح أو التطبيل، والكراهية، وربما العداء لو قال الناقد الحقيقة وفنّد العمل الفني وكشف عيوبه. العلاقة أيضًا فيها قدر من الشعور بالطبقية، فالمبدعون- أغلب المبدعين- يشعرون بأنهم أرقى من الناقد، وهذا أمر من قديم الأزل، حتى مَنْ مارس النقد من بعض المبدعين لم يكن في أوقات كثيرة سعيدًا بحاله، ربما لأنه يحتفي بأعمال الآخرين، ولا يكتب إبداعه هو، أو لا يُواصل، لدرجة أن البعض منهم يصف النقاد بأنهم «ملمعو أحذية المبدعين»، وهذا يتردد في الأدب، ويمكن ذكر أسماء أعمال محددة.

فالمبدع- أغلب مبدعي السينما- يرغب في أن يكتب عنه الناقد، لكن بعضهم يواري ذلك، ويدعي أنه غير مهتم بالنقد، ويقول في حسم «أصلاً ليس عندنا نقاد سينما»، بينما لو راجعت أرشيفه ستجده قد قام بتجميع كل أو أغلب المقالات التي كُتبت عن فيلمه. وسوف يغضب، ويواري غضبه حينما لا يتم تحليل عمله باعتباره ملحمة أو أسطورة، أو عملا ليس له مثيل.

المهم هنا أن عددا غير قليل من المخرجين ينفون وجود نقاد سينما، أو يعتبرون أن النقاد لا يكتبون نقدًا بالمعني الصحيح؛ لأنهم لا يحللون العمل الفني، ولا يتناولون الإخراج تفصيلًا، ويعتمدون على سرد القصة فقط، ويكتفون بمجرد إشارات للإخراج والتصوير والتمثيل.

الرأي السابق يمكنني تفهمه، ولكنه لا ينطبق على الجميع. لأن هناك نقادا لايزالون يحاولون فك شفرات الأعمال السينمائية، رغم الانفجار في الإنتاج، وصعوبة الملاحقة.

لكن الشيء الأساسي الغائب عن هؤلاء المبدعين المنتقدين للنقاد هو أن المساحات المسموح بها لنشر النقد السينمائي والتحليلي لم تعد موجودة في أغلب الإصدارات والدوريات.

لا يمكن أن أكتب تحليلا ونقدا موضوعيا حقيقيا في ٦٠٠ كلمة أو حتى ألف كلمة. وبالمناسبة هناك أماكن تشترط ما بين ٣٠٠ و٥٠٠ كلمة.

شخصيًا أشعر أننا نعود للوراء. فتخيلوا أن سمير فريد الذي ظل لسنوات يحارب كي يُحول «كلمة سيما» إلى «سينما» والذي سعى بكل طاقته لأن يجعل لفظ السينما يسبق غيره من الفنون، فكان وراء إصدار كتاب دوري بعنوان «السينما والتاريخ»، ومجلة «السينما والفنون».. حدث هذا منذ السبعينيات، لكننا الآن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سنجد الصفحات التي تتناول السينما تحمل عنوان صفحة الفن، أو الفنون، واختفت كلمة السينما، رغم أنه المفروض أنها صفحات متخصصة في السينما، أو ملاحق للسينما. أليس هذا تراجعًا؟!

هؤلاء المنتقدون للنقاد أنفسهم يغفلون أن صفحات السينما في الصحف والمجلات تم تقليصها جداً. بل، يمكن القول بوضوح إنه في أوقات الأزمات والحروب والمشاكل في الميزانيات فإن أول الصفحات التي يتم التضحية بها هي صفحات السينما، ومجلات السينما، والإصدارات السينمائية. لماذا؟

لأننا مجتمعات لا تزال تتعامل مع السينما على أنها «برستيج»، فيهتمون بها عندما يرغبون في تسليط الأضواء عليهم وجذب الأنظار إليهم، وينتهي الدور بانتهاء الغرض. مثلما يعتبرونها ترفيهًا يمكن الاستغناء عنه.

وأنا لا أنفي أن السينما ترفيه، لكن ليس هذا كل دور السينما. الترفيه أحد الأشياء المتحققة أثناء مشاهدة الأفلام، لكن السينما أساسًا وسيلة لخلق وبناء الوعي وتشكيل أجيال.

التعليقات