نظرة على جوائز برلين في دورته السبعين

في عام ٢٠١٥ تكرر السيناريو نفسه في برلين. أرسل جعفر بناهي فيلمه "تاكسي" ولم يتمكن من الحضور بسبب منعه من السفر، ومنعه من ممارسة الإخراج السينمائي، ما جعلنا نتساءل وكيف إذًا صور الفيلم في شوارع إيران، ثم كيف سربه للخارج؟ ودعنا من هذا، ولنفكر في التساؤل التالي، إذ كان جعفر بناهي محكومًا عليه بعدم ممارسة الإخراج، ثم فجأة اكتشفت الدولة أنه خالف الحكم الصادر ضده، ليس هذا وفقط، ولكنه أخرج فيلمه للمشاركة في مهرجانات دولية، فهل هذا معناه أن الدولة ستعاقبه، وتصدر حكمًا جديدًا عليه؟ لكن هذا لم يحدث، أليس كذلك؟ إذًا، ربما النظام في إيران يغض الطرف من أجل رفع اسم هذا البلد في المحافل السينمائية الدولية؟! في ذلك العام أيضًا -٢٠١٥- أثناء المؤتمر الصحفي في أعقاب عرض الفيلم وُضع كرسي شاغر كتب أمامه جعفر بناهي. وفي الختام حصد "تاكسي" جائزة الدب الذهبي رغم أنه في تلك الدورة كان هناك أفلام أكثر أهمية من فيلم بناهي. لكنها السياسة بوجهها الفج التي تتجاوز السينمائي من أجل خطوط السياسة الدولية.

أفلام قاتمة وجائزة مُسيسة

هذا العام أيضًا تكرر المشهد ذاته بحذافيره مع المخرج الإيراني محمد رسولوف الذي شارك بفيلم "لا يوجد إثم" -There Is No Evil- وهو أقرب ترجمة للعنوان الإنجليزي وفق الأحداث وجُمل الحوار. منع رسولوف من السفر، حضر فريق العمل، وضع كرسي شاغر كتب أمامه على المنصة اسمه.

كان "لا يوجد إثم" هو آخر فيلم تم عرضه في أفلام المسابقة. كان من السهل توقع أنه سيحصد أعلى وأهم جائزة، وهذا ما حدث بالفعل فلجنة التحكيم في المهرجان برئاسة الممثل البريطاني الشهير جيريمي أيرنز - وبعضوية كل من الممثلة الفرنسية بيرينس بيجو، والإيطالي لوكا مارينيلي، والسينمائي الأمريكي كينيث لونرجان، والبرازيلي كليبر مندونسا، والفلسطينية آن ماري جاسر - اختارته للفوز بجائزة الدب الذهبي للدورة السبعين.

صحيح أن موضوع الفيلم جيد ومهم، لكن الجائزة أساسًا بسبب الموقف الدولي من إيران، وستكون الحجة التضامن مع المبدع السينمائي ضد القهر والديكتاتورية. عمومًا ما جعل الأمر ليس فجًا كما حدث مع فيلم "تاكسي" عام ٢٠١٥، وأن أفلام المسابقة المهمة المشاركة في الدورة السبعين للبرليناله، قد تم تقسيم الجوائز بينها، ربما فقط يكون فيلم "البقرة الأولى" هو أكثر فيلم ظُلم، لكن هذا كان متوقعًا فالأوربيون لم يعجبهم الفيلم بعكس أغلب النقاد العرب.

لكن، عمومًا، لم يكن هناك فيلم عظيم أو تحفة فنية من الأساس بهذه الدورة التي سيطرت عليها الأفلام الكئيبة المغرقة في سوداويتها، لكن مدير المهرجان حاول التبرير فأوضح قائلاً: "إن سيطرة الأجواء القاتمة عائدة ربما إلى أنّ الأفلام التي اخترناها تميل إلى النظر إلى الواقع من دون أي أوهام، ليس لإثارة الخوف، بل؛ لأنها تريد أن تفتح عيوننا".

بشاعة الحكم أو تخريب الحياة

"لا يوجد إثم" يدور في أربعة أجزاء منفصلة متصلة. في كل منها يتناول -بأبطال مختلفين- ظاهرة الإعدام في إيران، لكن من زاوية محددة، وليس الإعدام بشكل عام. فهناك يُفرض على كل مجند أن ينفذ عملية حكم بالإعدام.

كل مجند لا بد له أن يمارس القتل قبل أن يُنهي خدمته، ويخرج للمجتمع ويمارس حياته الطبيعية. مَنْ يرفض قتل أحد المحكوم عليهم لن يكون من حقه الحصول على أي أوراق تثبت هويته، لن يعمل، لن يجد وظيفة تقبله، لن يستطيع استخراج رخصة قيادة، لن يستطيع السفر، لن يستطيع تكوين عائلة، وهكذا مَنْ يرفض تنفيذ الحكم ستنقلب حياته إلى جحيم، ومن يوافق سيعيش جحيمًا من نوع آخر.

حقاً إنه أمر بشع، أن يُرغم كل إنسان على ممارسة القتل، أحيانًا المحكوم عليهم لا يكونون في عداد المجرمين، لكنهم من المعارضة. أبشع أنواع القتل. محمد رسولوف ممنوع من الإخراج والعمل في السينما، النظام الإيراني يمنعه من السفر خارج البلاد، لكنه كرجل نزيه لم يتوقف عن إبداء رأيه وصور فيلمه سرًا؛ بسبب معاداته للنظام القائم في بلاده، وإذا كان رسولوف في فيلمه السابق "رجل نزيه" -والذي عرض في مهرجان كان، ونال جائزة ضمن قسم نظرة ما- قد تناول عددًا من الرموز الثقافية من الكتاب والمبدعين، الذين نشاهدهم وهم يتعرضون لأقصى أشكال التعذيب والاضطهاد والترويع، إذا لم يهادنوا ويقبلوا العمل كمرشدين للنظام بأن يُسهموا –كما نرى في الفيلم– في تعقب زملائهم من المثقفين الإيرانيين، وتصفيتهم. وإما أن يكون مصيرهم الحرمان والمطاردة والمنع من السفر والتعذيب، وربما الإعدام في أقبح صوره. فالمخرج في شريطه السينمائي الجديد "لا يوجد إثم" يتناول جانبًا آخر له أهميته، لكنه ليس في بلاغة "رجل نزيه".

حكاية إنكاونتر

الفيلم السابق "رجل نزيه" لا شك كان أقوى وأكثر أهمية، مع ذلك لم يختره مهرجان كان بالمسابقة الدولية، وإنما وضعه في قسم "نظرة خاصة"، وهو طبعًا قسم مهم، لكن يسبقه في الأهمية المسابقة الرسمية. أما البرليناله فاختار فيلمًا أقل في القيمة والأهمية ووضعه في المسابقة الرسمية.

ما سبق يفتح النقاش حول أهمية وقيمة الأفلام في المسابقة الدولية. التي كانت تعتمد على أسماء كبيرة من أجل جذب الأضواء، و"الشو" الإعلامي مع نجوم مثل؛ وليام دافو، سلمى حايك، خافيير بارديم، وغيرهم؛ لكن أفلامهم كانت ضعيفة أو عادية وفي تقديري الشخصي، إنها لا تستحق العرض بالمسابقة الدولية من أساسه. فلماذا لم تُضم تلك الأفلام إلى العروض الخاصة، ووضعت أفلامًا أخرى من "العروض الخاصة" أو من القسم الجديد المستحدث "إنكاونتر".

أساسًا سبب اختراع هذا القسم الجديد "إنكاونتر" هو الرغبة في الاحتفاظ بالأفلام التي كان لها مستوى جيد، طالما أن أسماء النجوم تزاحمها، أو تمنعها من الاشتراك في المنافسة الرسمية. هذا ليس مجرد تخمين من كاتبة هذه السطور، ولكن أثناء حضوري بقاعة سينماكس ٣ لمتابعة طقوس حفل الختام وإعلان الجوائز، جلس إلى جواري أحد الموظفين في إدارة البرليناله. تحدثنا عن عدة أمور، كان من بينها ذلك القسم. وعندما أخبرته أن دورة هذا العام أقل بكثير من دورة العام الماضي، ومستوى الأفلام ليس عظيمًا فدافع قائلا: المهرجان يعرض ٣٤٠ فيلمًا، وعليك أن تبحثي عن الأفلام الجيدة بينها". فقلت: هذا صحيح، ولكن الفيلم العظيم يكون مثل الفضيحة، مثل الحريق الذي يشتعل ويؤججه تيار الهواء، العمل العظيم تجد جميع الناس يتحدثون عنه كالفضيحة الكبرى، وهذا لم يحدث مع أي فيلم هذا العام.

التعليقات