حكاية "مُحيرة".. هل ترتفع أسعار البنزين في مصر مُجددًا بسبب "اضطرابات باب المندب"؟

تواجه الحكومة المصرية معادلة صعبة في تسعير الوقود، بعدما دفعت اضطرابات باب المندب وتراجع الإمدادات العالمية سعر خام برنت إلى نحو 106 دولارات للبرميل، بفارق يتجاوز 30 دولاراً عن تقديرات الموازنة.

ولا تعني التطورات الجيوسياسية إعلان إغلاق كامل لمضيق باب المندب أمام جميع السفن، لكنها أدت إلى تراجع حاد في حركة الملاحة وارتفاع مخاطر العبور وتكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع سيطرة مليشيات الحوثي على جزيرة ميون الاستراتيجية.

وأفادت وكالة "رويترز" بأن اضطراب طرق الشحن في البحر الأحمر، دفع النفط نحو 110 دولارات للبرميل للمرة الأولى منذ مايو، بينما أظهرت بيانات حديثة مرور 79 سفينة تجارية فقط عبر باب المندب خلال 3 أيام.

كل دولار يضغط على الموازنة

وقال الدكتور جمال القليوبي أستاذ هندسة الطاقة والبترو، إن ارتفاع النفط جاء نتيجة نقص الإمدادات المعروضة، والتهديدات التي تواجه الملاحة في هرمز وباب المندب، إلى جانب تراجع المخزونات الاستراتيجية لدى عدد من الدول.

وأضاف القليوبي، أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والرسوم، مع استمرار استهداف الناقلات في البحر الأحمر، وضع أسعار النفط في مسار تصاعدي.

وأوضح أن الموازنة المصرية أُعدت على أساس متوسط يبلغ 75 دولارًا لبرميل النفط، بينما تكلف كل زيادة بدولار واحد الموازنة ما بين 2.8 و3.2 مليار جنيه سنويًا.

وبحساب الحد الأعلى لتقديرات القليوبي، فإن استمرار النفط قرب 106 دولارات، أي بفارق 31 دولارًا عن تقديرات الموازنة، قد يضيف نحو 99.2 مليار جنيه إلى الأعباء السنوية.

وإذا وصل النفط إلى 108 دولارات، يرتفع الفارق إلى 33 دولارًا، بما يعادل تكلفة إضافية تقدر بنحو 105.6 مليار جنيه وفق حساباته، حال استمرار تلك المستويات عامًا كاملًا وثبات العوامل الأخرى.

لكن هذه الأرقام تمثل تقديرات حسابية وليست فاتورة نهائية؛ إذ تتغير التكلفة الفعلية بحسب مدة بقاء الأسعار مرتفعة، وسعر صرف الجنيه، وكميات الاستيراد، ومستوى الإنتاج المحلي، وأسعار المنتجات المكررة وتكاليف الشحن، بحسب القليوبي.

تقديرات أعلى للتكلفة

توجد تقديرات أخرى تضع تكلفة ارتفاع النفط عند مستوى أعلى من أرقام القليوبي، وقال حسن نصر رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية إن كل دولار زيادة في سعر البرميل يرفع أعباء فاتورة الطاقة بنحو 4 مليارات جنيه سنويًا.

كما قدّر معهد التمويل الدولي أن كل دولار زيادة يرفع أعباء الموازنة المصرية بما يتراوح بين 4 و4.5 مليار جنيه، مع تأثر مصر بارتفاع الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي.

وبناء على تقديرات معهد التمويل الدولي، فإن الفارق بين سعر الموازنة البالغ 75 دولارًا ومستوى 106 دولارات قد يضيف أعباء تتراوح بين 124 و139.5 مليار جنيه سنويًا.

ويعود اختلاف التقديرات بين 3.2 و4.5 مليار جنيه لكل دولار إلى اختلاف طريقة الحساب، وما إذا كانت تشمل تكلفة الخام فقط أم المنتجات البترولية المستوردة والشحن والتأمين وسعر الصرف.

هل ترتفع أسعار الوقود في مصر؟

يرى القليوبي أن الحكومة قد تضطر إلى تحريك أسعار الوقود لتقليص الفارق بين تكلفة توفير المنتجات البترولية وسعر بيعها محليًا، لكنه لم يستبعد تثبيت الأسعار إذا تراجع النفط واستقر قرب 105 دولارات خلال الأيام المقبلة.

وقال إن لجنة التسعير التلقائي تقيّم متوسطات الأسعار خلال فترة زمنية، وليس تحرك النفط في جلسة واحدة، ما يجعل استمرار الارتفاع ومدته عاملين حاسمين في القرار.

في المقابل، توقعت مؤسسة "فيتش سوليوشنز"، عبر خدمتها البحثية BMI، زيادة أسعار الوقود في مصر خلال سبتمبر إذا استمرت التوترات الإقليمية وبقي خام برنت بعيدًا عن مستوى استرداد التكلفة.

وأوضحت المؤسسة أن تثبيت الأسعار يصبح أكثر احتمالًا إذا اقترب برنت وقت اتخاذ القرار من مستوى 70 دولارًا بدلًا من 80 دولارًا، بينما تتداول الأسعار حاليًا أعلى بكثير من المستويين.

قرار الزيادة ليس محسومًا

رغم تصاعد التوقعات، لم تصدر الحكومة حتى الآن قرارًا رسميًا جديدًا برفع أسعار البنزين والسولار، كما لم يُعلن موعد نهائي لاجتماع لجنة التسعير.

وكان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء قد أعلن عودة لجنة التسعير التلقائي للاجتماع خلال الربع الأول من العام المالي الجاري، الممتد من يوليو حتى نهاية سبتمبر.

وتدرس اللجنة قبل اتخاذ قرارها عدة عناصر، أبرزها متوسط سعر خام برنت، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، وتكاليف إنتاج واستيراد ونقل المنتجات البترولية.

لذلك يبقى رفع الأسعار هو السيناريو الأكثر ترجيحًا إذا استمرت مستويات النفط الحالية، لكنه ليس قرارًا تلقائيًا ناتجًا عن اضطراب باب المندب وحده، إذ يمكن للحكومة امتصاص جانب من الصدمة عبر زيادة الدعم أو استخدام التحوطات وتأجيل تمرير التكلفة للمستهلك.

لماذا تضاعفت الضغوط؟

حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الإمدادات العالمية قد تتراجع بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا خلال 2026، في ظل تأخر عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها وتضرر منشآت ومسارات تصدير رئيسية.

وأضافت أن المخزونات العالمية تنخفض بوتيرة قياسية، بينما وصلت طاقة التكرير إلى مستويات ضغط مرتفعة، وهو ما تسبب في زيادة أسعار المنتجات المكررة، خصوصًا السولار، بصورة تفوق ارتفاع الخام نفسه.

وسجل خام برنت 105.99 دولار للبرميل في آخر تحديث منشور لوزارة البترول بتاريخ 11 سبتمبر، مقابل 101.21 دولار لخام غرب تكساس و112.25 دولار لسلة خامات أوبك.

أسعار البنزين والسولار الحالية في مصر

كانت الحكومة قد رفعت أسعار الوقود في 10 مارس الماضي، في ضوء زيادة تكلفة الاستيراد والإنتاج والشحن والتأمين الناتجة عن التطورات الجيوسياسية.

ويبلغ سعر لتر بنزين 95 حاليًا 24 جنيهًا، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، وبنزين 80 نحو 20.75 جنيه، بينما يسجل السولار والكيروسين 20.50 جنيه للتر، وغاز تموين السيارات 13 جنيهًا للمتر المكعب.

 

التعليقات